تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
فالكفار الذين حق عليهم العذاب أذلاء تحت قدر الله، وتدبيره، فهم منقادون لما سبق فيهم من علم الله، لا يخرجون عما سبق في علم الله تعالى فيهم. انتهى. مكي. والمعتمد الأول. تأمل.
﴿وَمَنْ:﴾ الواو: حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل نصب مفعول به مقدم لفعل شرطه، أو هو مبتدأ. ﴿يُهِنِ:﴾ مضارع فعل الشرط مجزوم، وحرك بالكسرة لالتقاء الساكنين. ﴿اللهَ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية ابتدائية لا محل لها على اعتبار (من) مفعولا مقدما. ﴿فَما:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط. (ما): نافية. ﴿اللهَ:﴾ متعلقان بمحذوف خبر مقدم. ﴿مَنْ:﴾ حرف جر صلة. ﴿مُكْرِمٍ:﴾ مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والجملة الاسمية: ﴿فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ في محل جزم جواب الشرط، وخبر (من) على اعتباره مبتدأ مختلف فيه كما رأيت في الآية رقم [١٥]، وعلى الاعتبارين في (من) فالجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها.
﴿أَنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿اللهَ:﴾ اسمها. ﴿يَفْعَلُ﴾ مضارع، والفاعل يعود إلى الله.
﴿فَما:﴾ اسم موصول، أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب مفعول به، والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد، أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: يفعل الذي، أو:
شيئا يشاؤه، وجملة: ﴿يَفْعَلُ..﴾. إلخ في محل رفع خبر ﴿أَنَّ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿أَنَّ..﴾.
إلخ تعليل للكلام قبلها، أو هي مستأنفة لا محل لها على الاعتبارين. تأمل، وتدبر.
﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾
الشرح: لقد ذكر في سبب نزول هذه الآيات ثلاثة أقوال:
الأول: أنها في الذين تبارزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، ﵃، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، لعنهم الله، وأخزاهم، قال محمد بن إسحاق:
خرج يوم بدر عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم فئة من الأنصار ثلاثة: عوف، ومعوذ ابنا الحارث، وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا:
من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: أكفاء كرام، ثم نادى مناديهم: يا محمد! أخرج لنا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث، ويا حمزة بن عبد المطلب، ويا علي بن أبي طالب» فلما دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فذكروا أنفسهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة، وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وعليّ الوليد، واختلف عبيدة، وعتبة بينهما ضربتان، كلاهما أثخن صاحبه،
Juz 6, hlm. 142 ›
فكر حمزة، وعلي بأسيافهما على عتبة، فذفّفا عليه، واحتملا عبيدة إلى أصحابه، وقد قطعت رجله، ومخها يسيل، فلما أتوا به رسول الله ﷺ قال: ألست شهيدا يا رسول الله! قال: «بلى!»، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيّا لعلم: أنّا أحق بما قال منه، حيث يقول: [الطويل]
ونسلمه حتّى نصرّع حوله... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وقال ابن عباس-﵄: نزلت الآيات في المسلمين، وأهل الكتاب، قال أهل الكتاب، أي: اليهود: نحن أولى بالله، وأقدم كتابا منكم، ونبيّنا قبل نبيكم. وقال المسلمون:
نحن أحقّ بالله، آمنّا بنبينا محمد ﷺ، ونبيّكم، وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا، وكتابنا؛ وقد كفرتم حسدا، وبغضا. فهذه هي خصومتهم.
وقال عكرمة: المراد بالخصمين: الجنة، والنار، فقد اختصمتا، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته، وقالت الجنة: خلقني لرحمته. فعن أبي سعيد الخدري-﵁-عن النبي ﷺ قال: «احتجّت الجنة، والنار، فقالت النار: فيّ الجبّارون، والمتكبّرون. وقالت الجنّة: فيّ ضعفاء المسلمين، ومساكينهم. فقضى الله بينهما: إنك الجنّة رحمتي، أرحم بك من أشاء، وإنّك النّار عذابي، أعذّب بك من أشاء، ولكليكما عليّ ملؤها». رواه مسلم، وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ رواها البخاري، ومسلم: «فأمّا النار فلا تمتلئ حتّى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط، قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم ربّك أحدا من خلقه. وأمّا الجنة فإنّ الله تعالى ينشئ لها خلقا».
وقيل: هم المؤمنون، والكافرون من أيّ ملة كانوا، فالمؤمنون خصم، والكفار خصم.
والمعتمد من هذه الأقوال هو القول الأول، فقد روي عن علي-﵁-أنه قال: إني لأول من يجثو للخصومة بين يدي الله تعالى، يريد قصته في مبارزته، هو وصاحباه. ذكره البخاري.
بعد هذا ف: ﴿خَصْمانِ﴾ تثنية خصم، وهو هنا بمعنى فريق، أو فوج، على حد قوله تعالى:
﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا؛﴾ ولذا جمع في قوله تعالى: ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ ومعنى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينه، أو في ذاته، أو في صفاته. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ -وهو فصل الخصومة المعني بقوله تعالى في الآية رقم [١٧]: ﴿إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ - ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ:﴾ قال سعيد بن جبير-﵁: ثياب من نحاس مذاب، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه، وسمي باسم الثياب؛ لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب، وهي السرابيل المذكورة في الآية رقم [٥٠] من سورة (إبراهيم) ﵇. هذا؛ وقيل: في الكلام استعارة تمثيلية، وليس بشيء؛ لأنه حقيقة، كما رأيت من قول سعيد بن جبير.
Juz 6, hlm. 143 ›
﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ أي: الماء الحار الذي انتهت حرارته. ﴿يُصْهَرُ بِهِ:﴾
يذاب بالحميم، والصهر: إذابة الشحم، وغيره من المعادن على اختلاف أنواعها، ولا سيما في هذا العصر، قال ابن أحمر يصف فرخ قطاة: [الرجز]
تروي لقى ألقي في صفصف... تصهره الشمس فما ينصهر
أي: تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، واللقى: الشيء الملقى لهوانه، والصفصف:
المستوي من الأرض. فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم، فينفذ حتّى يخلص إلى جوف أحدهم، فيسلت ما في جوفه حتّى يمرق من قدميه، وهو الصّهر، ثمّ يعاد كما كان». أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب. ولا تنس: قوله في سورة (محمد) ﷺ: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾. ﴿وَالْجُلُودُ﴾ أي: تحرق الجلود، أو تشوى الجلود، فإن الجلود لا تذاب، ولكن يضم في كل شيء ما يليق به، فهو كما تقول: أتيته فأطعمني ثريدا، أي والله ولبنا قارصا، قال الشاعر: [الرجز]
علفتها تبنا وماء باردا... حتّى غدت همّالة عيناها
ولنا كلام طويل في تفسير قوله تعالى في سورة (الحشر): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ﴾ إن شاء الله تعالى. وانظر الآية رقم [١٢] من سورة (الفرقان)، ففيها بحث جيد. بعد هذا انظر شرح: ﴿رَبُّكُمْ﴾ في الآية رقم [٨] من سورة (الإسراء)، وشرح (الكفر) في الآية رقم [٣٠] من سورة (الأنبياء)، وشرح (النار) في الآية رقم [١٠] من سورة (طه). أما ﴿ثِيابٌ﴾ فهو جمع:
ثوب، والقياس: ثواب، فقلبت الواو ياء لمناسبة الكسرة قبلها. انظر إعلال الصيام في الآية رقم [١٨٣] من سورة (البقرة)، فالبحث فيها جيد.
الإعراب: ﴿هذانِ:﴾ مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الألف نيابة عن الضمة؛ لأنه مثنى، وبعضهم يقول: مبني على الألف يعتبره مبنيا كباقي أسماء الإشارة، والهاء حرف تنبيه لا محل له.
﴿خَصْمانِ:﴾ خبر المبتدأ مرفوع... إلخ، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿اِخْتَصَمُوا:﴾ ماض، وفاعله، والألف للتفريق. ﴿فِي رَبِّهِمْ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة، ومن إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: ﴿اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في محل رفع صفة ﴿خَصْمانِ﴾ على المعنى كقوله تعالى: ﴿فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا،﴾ وقال الجمل: حالية، ولا أراه وجيها؛ لأن خصمان نكرة، إلا إذا كان يريد من الضمير المستتر في خصمان على تأويله بفرق ونحوه، وأجيز اعتبارها خبرا، وخصمان بدلا من ﴿هذانِ﴾ والمعتمد الأول. ﴿فَالَّذِينَ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف.
(الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وجملة: ﴿كَفَرُوا﴾ مع المتعلق
Juz 6, hlm. 144 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.