التفسير الوسيط - مجمع البحوث
· مجموعة من المؤلفين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ
وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ
أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا
أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾
المفردات:
﴿حِسَابُهُمْ﴾: أي زمن حسابهم وهو يوم القيامة.
﴿مُعْرِضُونَ﴾: منصرفون عن التفكير في عاقبتهم.
﴿ذِكْرٍ﴾: ما يذكرهم من القرآن بواجبات ربهم.
﴿مُحْدَثٍ﴾: جديد حديث النزول.
﴿يَلْعَبُونَ﴾: يسخرون ويستهزئون.
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾: متغافلة بما يلهيها.
﴿النَّجْوَى﴾: المسارَّاة في الحديث وإخفاؤه.
﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾: تخاليط في رؤى المنام.
Juz 6, hlm. 1087 ›
﴿افْتَرَاهُ﴾: اختلقه من عند نفسه.
﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: المراد من القرية المُهلَكة أهلُها.
التفسير
١ - ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾:
المراد من الناس هنا: المشركون، فهم الموصوفون بأَنهم في غفلة وإِعراض عن يوم الحساب وبأَنهم يستمعون الذكر وهم معرضون لاهية قلوبهم، وبقولهم عن الرسول والقرآن: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
والمعنى: قَرُبَ ودنا للمشركين يوم حسابهم - يوم القيامة - وحالهم أَنهم في غفلة عنه، معرضون عن القرآن الذي يذكرهم به، فهم بدنياهم مغرورن، وبأُخراهم مكذبون، ولسوف يندمون حين يرون أَنهم في العذاب محضرون.
والتعبير عن وقت حساب الناس في الآخرة بأَنه قريب لهم، لأن ما بقى من عمر الدنيا بالنسبة إِلى ما مضى منها قليل، ولهذا كانت رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات ونُبُوَّتُهُ خاتمة النبوات، ومن أجل ذلك قال ﷺ: "بعثت أنا والساعة كهاتين" (¬١) وأشار إِلى أصبعيه الوسطى والإبهام التي تليها، أي أَن بعثته قريبة من الساعة قرب نهاية الإبهام من نهاية الإصبع الوسطى، وقد ظهر من أَمارات قربها أَنك: (تَرَى الْحُفَاةَ العُرَاة العَالة رِعَاء الشاء يتطاولون في البنيان) كما جاء في الحديث النبوى الصحيح، وأن الأرض تزينت وظن أهلها أَنهم قادرون عليها، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ (¬٢) على أن الموت هو القيامة الصغرى، وهو منهم قريب، وحينئذ يعرفون حالهم ومآلهم.
٢ - ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (¬٣):
هذه الآية مبينة لمدى إِعراضهم عن يوم الحساب الذي هو قريب منهم، وعن الحق الذي قامت به الحجة عليهم.
Juz 6, hlm. 1088 ›
والمعنى: ما يأتى هؤلاءِ المشركين شئٌ من القرآن مُذكِّرٌ لهم من ربهم، حديث النزول مع جبريل، إلَّا في حال لهوهم ولعبهم بعباراته، حيث يقدحون فيه ويعترضون عليه، وينكرون ما جاءَ به، جهلًا منهم بمكانته من الحق، ومنزلته من الصدق، ولو أن هؤلاء تذكروا بمواعظ القرآن، لتحققوا من الآخرة وقربها، ولطابت نفوسهم بالتوبة والعمل لأُخراهم، ولم يركنوا إِلى زخارف دنياهم، ولكنهم كما قال الحسن: كلما جُدِّد لهم الذكر، استمروا على الجهل.
٣ - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ (¬١) وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾:
أي أَن مشركى مكة كلما أُنزل إِليهم شئٌ من القرآن حَدِيث النزول، يذكرهم بما يجب لله من صفات الكمال، وبأنهم سوف يحاسبون على أعمالهم، لا يستمعون إِلاَّ وهم عابثون مستهزئون، ساهية قلوبهم معرضة عن ذكر الله متشاغلة عن التأمل والتعقل فيما تنتهى إِليه دنياهم، وما هم منتهون إليه من عذاب السعير، وفي معنى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ (¬٢). ثم أطلع الله نبيه على مؤامرتهم فقال: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (¬٣): أَي وبعد أن غمرتهم الغفلة وأعرضوا مستكبرين لاهين مكذبين بالبعث والحساب، أَخفى هؤلاءِ الطاغُون تناجيهم ومسارتهم حين يثبطون المؤمنين ويَصُدُّون الناس عن الإِسلام، بِتنْقِيص الرسول وتكذيبه، وإثارة النفوس عليه، حتى ينفروا منه، ويعرضوا عن دعوته، يقولون لهم:
﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾: الاستفهام للنفى المشوب بالتعجب، أي ما هذا إلاَّ بشر مثلكم، فهو واحد منكم، وليس من الملائكة، فكيف تسمعون له وتطيعونه، إِنه يريد أن يتميز عليكم ويتزعمكم، فليس بنبى ولا رسول كما يقول لكم، ومثلهم في هذا مثلُ قوم نوح، حين قال بعضهم لبعض: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ (¬٤).
Juz 6, hlm. 1089 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.