تفسير ابن كمال باشا
· ابن كمال باشا
(١٠٢) - ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾: صوتَها الذي يُحَسُّ وحركةَ لهبها (¬١)، حالٌ من ضمير ﴿مُبْعَدُونَ﴾؛ يعني: أنهم في حال سلامتهم عنها وعن آثارها المؤذية يَرِدُونها ويُبعدون عنها.
﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ الشَّهوةُ: طلبُ النَّفسِ اللَّذَّةَ؛ أي: دائمون في الاستغراق في مشتهياتهم، وتقديم الظَّرف للاختصاص، ومحافظةِ الفواصل.
* * *
(١٠٣) - ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾؛ أي: النَّفخةُ الآخرة (¬٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧].
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: تستقبلهم مهنِّئين.
﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾: يومُ ثوابكم (¬٣)، وهو مقدَّرٌ بالقول.
﴿الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدُّنيا.
* * *
(١٠٤) - ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
Juz 7, hlm. 78 ›
والعامل في ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾، أو ﴿الْفَزَعُ﴾، أو ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾.
والطَّيُّ: ضدُّ النَّشرِ، أو: المحوُ، من قولك: اطوِ عنِّي هذا الحديث.
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾: كطيِّ الطُّومار لأجل الكتابة، أو: لِمَا يُكْتَب، أو كُتِبَ فيه، ويؤيِّده القراءة على الجمع (¬١)؛ أي: للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه.
وقيل: السِّجلُّ: مَلَكٌ يطوي كتبَ الأعمال إذا رُفِعَتْ إليه.
وفيه: أنَّ حقَّ التَّشبيه أن يكون بالمعهود المعروف، وطيُّ ذلك (¬٢) الملَك لم يُعرَف إلَّا مِن هذا الكلام.
وقيل: كاتبٌ كانَ لرسول الله ﵇.
وفيه: أنَّه ليس لطيِّه خصوصيَّةٌ زائدة، وتخصيصُ التَّشبيه به يقتضي ذلك.
وقرئ: (السَّجْلِ) كالدَّلْو، و: (السُّجُلِّ) كالعُتُلِّ، وهما لغتان فيه (¬٣).
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ مفعول ﴿بَدَأْنَا﴾، ومحلُّ الكاف النَّصبُ على المصدر، و (ما) كافَّة، أو مصدريَّة؛ أي: مثلَ ما بدأنا أوَّل خلقٍ نعيده.
أو مفعول (نعيد) مضمرٍ يفسِّره ما بعده (¬٤)؛ أي: نعيدُ أوَّل خلقٍ كما بدأناه.
Juz 7, hlm. 79 ›
ويجوزُ أن تكون الكاف منصوبة بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ﴿نُعِيدُهُ﴾ (ما) موصولة و ﴿أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ نصب على الظَّرف (¬١) لـ ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أو نصب على الحال من ضمير الموصول المحذوف المقدَّر (¬٢) في ﴿بَدَأْنَا﴾؛ أي: نعيدُ مثلَ الذي بدأنا ونعيده في أوَّل خَلْقِنا إيَّاه، أو حالَ كونه أوَّل خلقٍ، شُبِّهَتِ الإعادة بالإبداء في تعلُّق القدرة بهما على السَّواء، والمرادُ إثبات صحَّة الإعادة بالقياس على الإبداء؛ لشمول الإمكان الذَّاتي المصحِّح للمقدورية لهما؛ أي: كما أنَّ أوَّل إيجاده من عدم نعيده ثانياً عن عدم.
وإنَّما وحَّد ﴿خَلْقٍ﴾ ونكَّر ليفيدَ تفصيلهم واحداً واحداً (¬٣)، والمعنى: أوَّل الخلائق، كما تقول: أوَّل رجل جاءني، بمعنى: أوَّل الرِّجال، وإنَّما نُكِّرَتْ ووُحِّدَتْ ليفيد تفصيلهم رجلاً رجلاً، هذا تحرير ما قالوا.
والذي يظهر لي: أنَّ الخلق بمعنى المخلوق، وتقييده بالأوَّل لإخراج (¬٤) المخلوق ثانياً - وهو الرُّوح - عن متناوَل الكلام؛ لأنَّه في إعادة البدن، وهو المخلوق أوَّلاً؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فتدبَّر.
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ مصدر مؤكِّد؛ لأنَّ قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ (¬٥) عِدَةٌ للإعادة علينا؛ أي: علينا إنجازه.
Juz 7, hlm. 80 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.