تفسير ابن كمال باشا
· ابن كمال باشا
(٣٧) - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾.
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ المِنَّة: نعمة تُقْطَعُ لصاحبها عن غيره باختصاصها به، يقال: منَّ عليه: إذا أنعم عليه (¬١) نعمةً يُقْطعه إيَّاها، وأصله: القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨].
والمرَّةُ: الكَرَّة الواحدة، من المَرِّ.
و ﴿أُخْرَى﴾: تأنيثُ آخر، بمعنى غير؛ أي: مِنَّةً غيرَ هذه المِنَّة.
* * *
(٣٨) - ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾.
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ قال الجمهور: هو وحيُ إلهامٍ، وقيل: وحي إعلامٍ؛ إمَّا ببعثِ مَلَكٍ إليها لا على وجه النُّبوَّة، كما بحث إلى مريم، أو بإراءة ذلك في المنام، أو على لسان نبيٍّ في وقتها، كقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١].
﴿مَا يُوحَى﴾: ما لا سبيل إلى العلم به إلَّا بالوحي، أو: ما ينبغي أن يُوْحَى لا محالة ولا يُخَلَّ به؛ لعظم شأنه وفرط الاعتناء به.
* * *
(٣٩) - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾: بأنِ اقذفيه، أو: أيِ اقذفيه؛ لأنَّ الوحي بمعنى القول.
Juz 6, hlm. 435 ›
والقَذْفُ: هو الرمي البعيد المستلزِم لصلابة المَرْميِّ، واستُعير هنا لمعنى الإلقاء.
﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ اليمُّ: اسمٌ للبحر العَذْب، والمرادُ منه هاهنا (¬١): النِّيلُ.
﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ ساحلُ البحرِ: شاطئه، سُمِّيَ بذلك لأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ؛ أي: يَقشره، فهو فاعل بمعنى: ذو كذا، ولَمَّا وجب وقوع ما تعلَّقَتْ به إرادته تعالى، وهو إلقاء البحر إيَّاه بالسَّاحل، ذكر بلفظ الأمر تشبيهًا للبحر بالمأمور المميِّز المطيع الممتثِل لِمَا وردَ عليه من أمرِ (¬٢) آمرٍ مُطاعٍ، على طريق (¬٣) الاستعارة بالكناية.
وأخرج (¬٤) الجواب بقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ مخرجَ جوابُ الأمر مجزومًا.
وكرّر ﴿وَعَدُوٌّ﴾ للمبالغة، أو لأنَّ الأوَّل باعتبار الواقع، والثَّاني باعتبار المتوقَّع، والأحسن نظمًا أن ترجع الضمائر كلُّها إلى موسى ﵇ (¬٥)، لا لِمَا قيل: إنَّ في رجوع البعض إلى التَّابوت تنافرُ النَّظم الذي ينافي الإعجاز؛ لأنَّه ممنوع، كيف ولو كان فيه ما يخلُّ بحسن النَّظم لَمَا وقع في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]؟! ثمَّ إنَّ موجَبَ ذلك عدمُ الحُسْنِ - بل عدمُ الصِّحةِ -
Juz 6, hlm. 436 ›
لا عدمُ الأحسنيَّة (¬١) = بل لأنَّ المُحَدَّث عنه موسى ﵇، لا التَّابوت، وإنَّما ذُكِرَ التَّابوتُ على سبيل الوعاء (¬٢) والفضلة، فالمُلْقَى والمَأْخُوذ هو موسى ﵇ في التَّابوت، فلا حاجة إلى نشر الضَّمائر.
والظَّاهر: أنَّ البحر ألقاه بالسَّاحل فالتقطه منه آل فرعون، روي أنَّه فُتِحَ التَّابوت فإذا صبيٌّ أصبحُ النَّاس وجهًا، فأحبَّه عدوُّ الله حبًّا شديدًا، كما قال:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ ﴿مِنِّي﴾ صفة لـ ﴿مَحَبَّةً﴾؛ أي: محبَّةً كائنةً منِّي قد زرعتُها في القلوب، فلذلك (¬٣) أحبَّك فرعون. أو متعلق بـ ﴿وَأَلْقَيْتُ﴾ أي: أحببتُكَ ومَن أحبَّه اللّهُ أحبَّته القلوب، وعلى هذا يراد المعنى المذكور أوَّلًا بطريق الكناية، أو بطريق الإشارة.
وتنكير ﴿مَحَبَّةً﴾ للتَّعظيم أو الإبهام والتعيين.
﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ عطف على علَّةٍ مقدَّرة، مثل: ليُتعطَّفَ عليك، ونحوِه، أو علَّةٌ لمحذوف معطوفٍ على الجملة السابقة، أي: ولتُصنع فعلْتُ ذلك.
قال الخليل: يُقال: صنعْتُ الفرسَ، وهو فرسٌ صَنِيْعٌ، وهو الذي أَحسن أهلُه القيام عليه (¬٤)، وسيفٌ صَنِيْعٌ: الذي قد أُحْسِنَ صَقْلُهُ.
﴿عَلَى عَيْنِي﴾: بمرأًى منِّي؛ أي: لِتُرَبَّى كما أريد، ومجازُه: أنَّ مَن صنعَ للإنسان شيئًا وهو ينظر إليه (¬٥) صَنَعَهُ له كما يحبُّه، ولا يتهيَّأ له خلافه.
Juz 6, hlm. 437 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.