تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما من قُتل منهم [¬١] فحيٌّ عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسُرَّ بذلك موسى وبنو إسرائيل.
رواه ابن جرير (¬٣٦٦) بإسناد جيد عنه.
وقال ابن إسحاق لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال [¬٢]: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى نَصبر لأمر الله، فَأمَرَ موسى: من لم يكن عَبَدَ العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ [عليهم القومُ] [¬٣] السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وَبَهَشَ [¬٤] (¬٣٦٧) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، فتاب الله [¬٥] عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين [¬٦] رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا يا موسى؛ ما من توبة؟ قال بلى، ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ﴾. الآية. فاخترطوا السيوف والجِرَزَة [¬٧] (¬٣٦٨) والخناجر والسكاكين.
قال: وبعث عليهم ضبابة. قال فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو [¬٨] لا يدري. قال ويتنادون فيها [¬٩]، رحم الله عبدًا صبر نفسه [¬١٠] حتى يبلغ الله رضاه، قال فقتلاهم شهداء، وتِيبَ على أحيائهم ثم قرأ ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾
Juz 1, hlm. 403 ›
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانية (¬٣٦٩).
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانية، أي: حتى نرى الله (¬٣٧٠).
وقال قتادة والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي عيانًا. وقال أبو جعفر. عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال [¬١] فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا.
وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة: صيحة من السماء.
وقال السدي في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة [¬٢]: نار.
وقال عروة بن رُوَيم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال فصُعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثم بُعث هؤلاء وصُعق هؤلاء.
وقال السدي: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب؛ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحي الله إلى موسى: أنّ هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوار [¬٣] رجلٌ رجلٌ، ينظر بعضهم إلى بعض: كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقال الربيع بن أنس: كان موتُهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.
وقال ابن جرير (¬٣٧١): حدثنا محمد بن حميد، حدَّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحَرَّق العجل وذرّاه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا
Juz 1, hlm. 404 ›
إلى الله وتوبوا [إلى الله] [¬١] مما صنعتم، واسألوه [¬٢] التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهِّروا ثيابكم.
فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وَقَّتَهُ له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى؛ اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم ادنوا - وكان موسى إذا كلمه الله [¬٣] وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطع أحد من بني آدم أن ينظر إليه - فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سَفِهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، و [¬٤] اخترت منهم سبعين [¬٥] رجلا، الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدّقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ فلم بزل موسى يناشد ربه ﷿ ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.
هذا سياق محمد بن إسحاق.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل [¬٦] بعضهم لبعض [¬٧]-كما أمرهم الله [¬٨] به - أمر اللهُ موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية.
[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله
Juz 1, hlm. 405 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.