التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
غير مرتضى، وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٣/ ٣٤] وليس في الشفاعة رجوع المولى عن إرادته لأجل الشافع، وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ ما أراده الله أزلا عقب دعاء الشافع، والشفاعة دعاء. وليس في إثبات شفاعة مسوغ لمغتر يتهاون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على الشفاعة، فلا ينفع أحدا في الآخرة إلا طاعة الله ورضاه.
وأما تفضيل بني إسرائيل فهو ليس دائما ولا عاما، وإنما هو مقصور على عالمي زمانهم، ومرتبط بمدى تنفيذهم أوامر الله، فالتفضيل هو مناط الأخذ بالفضائل وترك الرذائل، والفضل إن كان بكثرة الأنبياء فيهم فهو صحيح لا شك فيه، ولا تقضي هذه الفضيلة بأن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم، ويزول الفضل إذا هم انحرفوا عن هدي أنبيائهم وتركوا سنتهم. وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من الله بمرضاته، فهو مختص بالأنبياء والمهتدين من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه، ومقيد بمدة الاستقامة على العمل الذي استحقوا به التفضيل (¬١).
نعم الله تعالى العشر على اليهود
﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾
Juz 1, hlm. 158 ›
الإعراب:
﴿إِذْ﴾ معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ ومنصوب بفعل محذوف تقديره: واذكروا إذ نجيناكم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنا﴾، ﴿وَإِذْ واعَدْنا مُوسى﴾، ﴿وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى﴾.
﴿فِرْعَوْنَ﴾ ممنوع من الصرف للتعريف والعجمة، ومعناه في القبطية: التمساح. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من آل فرعون. وكذلك ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ و ﴿يَسْتَحْيُونَ﴾ حال منهم أيضا.
﴿واعَدْنا﴾ بمعنى وعدنا، لأن الأصل في «فاعلنا» أن تكون مشاركة من اثنين، ولا يحسن هاهنا، لأن الله تعالى وعد موسى، ولم يكن من موسى وعد الله تعالى. ﴿اِتَّخَذْتُمُ﴾ فعل يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، الأول منهما (العجل) والثاني مقدر وتقديره: إلها.
﴿وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ جملة اسمية في موضع الحال من ضمير ﴿اِتَّخَذْتُمُ﴾.
﴿ذلِكُمْ﴾ أراد المذكور، وهو يشمل القتل والتوبة.
البلاغة:
﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ استعارة من السّوم في البيع. ﴿بَلاءٌ﴾ و ﴿عَظِيمٌ﴾ التنكير فيهما للتفخيم والتهويل.
﴿واعَدْنا﴾ ليست على أصلها وهو المشاركة من اثنين، وإنما هي بمعنى «وعدنا» كما بينا في الإعراب.
هذا وعطف الفرقان على الكتاب في آية (٥٣) من باب عطف الصفات بعضها على بعض، لأن الكتاب هو التوراة، والفرقان هو التوراة أيضا، فهو كتاب منزل وفارق بين الحق والباطل.
المفردات اللغوية:
﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ أي آباءكم، تذكيرا لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا. وفرعون: لقب لمن ملك مصر قبل البطالسة ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذابِ﴾ أشده أي العذاب الشديد.
﴿يَسْتَحْيُونَ﴾ يبقون نساءكم أحياء، ويقتلون الرجال، لقول بعض الكهنة لفرعون: إن مولودا
Juz 1, hlm. 159 ›
يولد في بني إسرائيل، يكون سببا لذهاب ملكك ﴿وَفِي ذلِكُمْ﴾ العذاب أو الإنجاء ﴿بَلاءٌ﴾ ابتلاء واختبار.
﴿فَرَقْنا﴾ فلقنا، والمراد جعلنا فيه جسرا تعبرون عليه، هاربين من عدوكم.
﴿الْكِتابَ﴾ التوراة. ﴿وَالْفُرْقانَ﴾ الشرع الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام.
﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ليقتل البريء منكم المجرم ﴿ذلِكُمْ﴾ القتل، وقتل منهم نحو سبعين ألفا ﴿بارِئِكُمْ﴾ مبدعكم ومحدثكم ﴿فَتابَ﴾ قبل توبتكم.
المناسبة:
هذه الآيات في تفصيل النعم العشرة التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، بعد الإشارة إليها إجمالا في قوله: ﴿اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ تذكيرا لهم بضرورة شكرها.
التفسير والبيان:
اذكروا أيها اليهود الذين تعاصرون التنزيل ونبوة محمد ﷺ النعم التي أنعم الله بها على آبائكم، وهي نعم عليكم أيضا بالتبع، كانت سببا لبقائكم، ولأن الإنعام على أمة إنعام يشمل كل أفرادها، وهي نعم عشرة، ذكر منها هنا خمسة وهي:
١ - النجاة من فرعون، فإنه كان يذبح الأبناء الذكور، ويترك البنات أحياء، ويذيقهم العذاب الشديد، لأن فرعون كان قد رأى نارا هالته، خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل.
وفسّرت له بأن زوال ملكه يكون على يد رجل من بني إسرائيل (¬١). فأخذ يقتل الذكور ويترك النساء، ومع هذا نجاهم الله من هذا العذاب المهين. وفي النجاة من الهلاك اختبار من الله، حتى يظهر شكر الناجي وصبر الهالك. والاختبار
Juz 1, hlm. 160 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.