تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
﴿أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ قيل: إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون، وإنجائهم من البحر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
[وقيل: الواو زائدة، والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان، وهذا غريب. وقيل: عطف عليه، وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول الشاعر:
وقَدَّمَتِ الأدِيمَ لراقشيه … فألفى قولها كذبا ومينا
وقال الآخر:
ألَا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ … وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ والبعدُ
فالكذب هو المين، والنأي هو البعد. وقال عنترة:
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقادم عَهْدُه … أقْوَى وأقْفَرَ بعدَ أُمِّ الهيثم
فعطف الإقفار على الأقواء وهو هو] [¬١].
﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾
Juz 1, hlm. 400 ›
هذه صفةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل [¬١]، قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، حين قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾. الآية.
قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
وقال أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. أي إلى خالقكم.
قلت: وفي قوله هاهنا ﴿إِلَى [¬٢] بَارِئِكُمْ﴾ تنبيه على عظَم جرمهم. أي فتوبوا إلى الذي خلقكم، وقد عبدتم معه غيره.
وقد [¬٣] روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم (¬٣٦٢)، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الورّاق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل [من لقي [¬٤]] [¬٥] من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن.
فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على [¬٦] ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول. وهذا قطعة من حديث الفُتُون، وسيأتي في سورة طه بكماله، إن شاء الله.
وقال ابن جرير (¬٣٦٣): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا [¬٧] إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾،
Juz 1, hlm. 401 ›
قال: أمر موسى قومه - عن [¬١] أمر ربه ﷿ أن يقتلوا أنفسهم، قال [¬٢]: واحتبى الذين عبدوا [¬٣] العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظُلّة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظُلّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.
وقال ابن جريج (¬٣٦٤): أخبرني القاسم [بن أبي بَزَّة] [¬٤]: أنه سمع سعيد بن جُبَير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل [¬٥] بعضهم بعضًا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل. وأن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه.
[وروي عن علي ﵁ نحو ذلك] [¬٦]. وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل فجعله لِحَيِّهم توبة وللمقتول شهادة.
وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حنْدس (¬٣٦٥)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك.
وقال السدّي: في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل منهم [¬٧] سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقيةَ البقيةَ؛ فأمرهم أن يلقوا [¬٨] السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقال الزهري: لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم، قالوا [¬٩]: يا نبي الله؛ ادع الله لنا، وأخذوا بعضُديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم
Juz 1, hlm. 402 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.