تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﵇ في الحديث المتفق عليه (¬١٦٨٤): " لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها [¬١] (*) فباعوها وأكلوا أثمانها".
وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما [¬٢]، عند لعن المحلل في تفسير قوله [¬٣] ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ - قوله ﷺ: "لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه". قالوا: وما يشهد [¬٤] عليه ويكتب؛ إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسدًا [¬٥]، فالاعتبار بمعناه لا بصورته؛ لأن الأعمال بالنيات. وفي الصحيح (¬١٦٨٥): " إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم؛ وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
وقد صنف الإِمام العلامة أبو العباس بن تيمية كتابًا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك وشفي، [فرحمه الله ورضي عنه] [¬٦].
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾
يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يذهبه، إما بأن يذهبه [¬٧] بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى:
Juz 2, hlm. 490 ›
﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾. وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [¬١].
وقال ابن جرير: في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وهذا نظير الخبر الذي روي عن [¬٢] عبد اللَّه بن مسعود، [عن النبي ﷺ] [¬٣] أنه قال: "الربا وإن كثر فإلى [¬٤] قل".
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده (¬١٦٨٦) فقال: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير [¬٥] إلى قل".
وقد [¬٦] رواه ابن ماجة (¬١٦٨٧)، عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبه أمره إلى قل".
وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، كما قال الإِمام أحمد (¬١٦٨٨): حدثنا أبو سعيد -مولى بني [¬٧] هاشم- حدثنا الهيثم بن نافع [¬٨] الطاطري، حدثني أبو يحيى -رجل من أهل مكة- عن فروخ مولى عثمان، أن عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين- خرج إلى [¬٩] المسجد فرأى طعامًا منثورًا فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا قال: بارك اللَّه فيه، وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين؛ إنه قد احتكر. قال: ومن [¬١٠] احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما فدعاهما [¬١١] فقال: ما حملكما على
Juz 2, hlm. 491 ›
احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالإفلاس أو بجذام" فقال فروخ عند ذلك: أعاهد اللَّه، وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدًا. وَأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا.
ورواه ابن ماجة، من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: "من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه اللَّه بالإِفلاس والجذام".
وقوله ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قرىُ بضم الياء والتخفيف (*)، من ربا الشيء يربو وأربا [¬١] يربيه، أي: كثره ونماه ينميه. وقريء (يُرَبِّي) بالضم والتشديد من التربية".
كما قال البخاري (¬١٦٨٩): حدَّثنا عبد اللَّه بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح، عن أبي هرهة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، وإن اللَّه يعقبلها [¬٢] بيمينه ثم يربيها لصاحبه [¬٣] كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون [¬٤] مثل الجبل".
كذا رواه في كتاب الزكاة، وقال في كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، عن عبد اللَّه بن دينار، فذكر بإسناده نحوه.
وقد رواه مسلم في كتاب [¬٥] الزكاة (¬١٦٩٠)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره. قال البخاري: ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هرهة، عن النبي، ﷺ.
قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم
Juz 2, hlm. 492 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.