تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿إِنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦)﴾
الشرح: قال ابن عباس-﵄-في رواية أبي صالح عنه: لمّا ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً..﴾. الآية رقم [١٧]، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ..﴾. إلخ الآية رقم [١٩]، وفي رواية عطاء عن ابن عباس-﵄ أيضا، قال: لما ذكر الله آلهة المشركين، فقال: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ رقم [٧٣] من سورة (الحج) وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت؛ أي: في الضعف، والمهانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الآية رقم [٤١] من سورة (العنكبوت)؛ قالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع؟ فأنزل الله الآية، وقال الحسن، وقتادة-﵄: لمّا ذكر الله الذباب، والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل؛ ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله! فأنزل الله الآية الكريمة. انتهى قرطبي بتصرف.
هذا؛ والأمثال من هذا القبيل كثيرة، مثل الآيتين رقم [٧٥] و [٧٦] من سورة (النحل)؛ ففيهما بحث جيد انظرهما. ﴿لا يَسْتَحْيِي:﴾ أصله يستحيي، عينه، ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء، فسكنت، واسم الفاعل على هذا مستحيي، والجمع:
مستحيون، ومستحيين. وقرأ ابن محيصن: («يستحي») بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة، ورويت عن ابن كثير، وهي لغة تميم وبكر وائل، وهي قراءة شاذة، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء، واسم الفاعل مستح، والجمع مستحون ومستحين. انتهى قرطبي، وقاله الجوهري.
هذا؛ والحياء بالنسبة للإنسان هو: انقباض النفس من الشيء، وتركه خوفا من اللوم، وهو ملكة تمنع الإنسان من ارتكاب الرذائل، والحياء خير ما يتحلّى به إنسان، فإذا ذهب الحياء من الإنسان، فقد ذهب منه كلّ خير، كما قال الشاعر الحكيم: [الوافر]
إذا لم تخش عاقبة اللّيالي... ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا وأبيك ما في العيش خير... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
Juz 1, hlm. 81 ›
والحياء بالمعنى المتقدم مستحيل في حقّ الله تعالى، بل المراد منه في حقه تعالى: التّرك اللازم للانقباض، كما ورد في قول النبي ﷺ: «إنّ الله حييّ كريم يستحيي من العبد إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا خائبتين». أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه عن سلمان الفارسي-﵁، وقال الزمخشري: أي: لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. وقول له آخر: هو من باب المشاكلة.
﴿أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً:﴾ معناه: يبيّن، فيتعدّى لواحد، وقيل: معناه: التصيير، فيتعدّى لاثنين، نحو: ضربت الطين لبنا، وقال بعضهم: لا يتعدّى لاثنين إلا مع المثل خاصّة.
﴿بَعُوضَةً:﴾ واحدة البعوض، وهو صغار البق، واشتقاقه من البعض، وهو القطع، ومنه بعض الشيء؛ لأنه قطعة منه، وقد بعضته تبعيضا، أي: جزأته، فتبعّض، وسميت البعوضة بذلك لصغرها. ﴿فَما فَوْقَها﴾. والبعوض من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية الصّغر، وله ستة أرجل، وأربعة أجنحة، وذنب، وله خرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل، والجاموس، والجمل، فيبلغ منه الغاية؛ حتى إنّ الجمل ليموت من قرصه. انتهى.
خازن. قال القرطبي: والفاء بمعنى «إلى» أي: إلى ما فوقها، وهذا قول الكسائي، والفراء أيضا. وهذا قاله ابن هشام في مغني اللبيب في الآية نفسها، واستأنس بهذه الآية، ليثبت: أنّ الفاء وقعت بمعنى «إلى» في قول امرئ القيس في أول معلقته، وهو الشاهد رقم [٢٩٣] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل... بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل
انظر الكلام عليه إن كنت من أهل مغني اللبيب تجد الكلام عليه طويلا وعريضا، واعتبر من العكس، أي: مجيء «إلى» بمعنى الفاء في قول كثير عزّة، وهو الشاهد رقم [٢٩٥] من كتابنا المذكور: [الطويل]
وأنت الّتي حبّبت شغبا إلى بدا... إليّ وأوطاني بلاد سواهما
هذا وفي الفوقية قولان: أحدهما: فما دونها في الصّغر، والحقارة، كما إذا وصف رجل باللؤم والشّحّ، فيقول السامع: نعم هو فوق ذلك، يعني: فيما وصفت، وهذا قول أكثر المحققين، قال الرسول ﷺ: «لو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء». رواه ابن ماجة، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح عن أبي سهل بن سعد ﵁. والثاني: ﴿فَما فَوْقَها﴾ لما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر، ولا أصغر من البعوضة. وهذا قول قتادة بن دعامة، واختيار ابن جرير، فإنه يؤيد ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة».
Juz 1, hlm. 82 ›
فأخبر الله: أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة.
فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب، والعنكبوت. انتهى مختصر ابن كثير بتصرف.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ أي: بالله، ورسوله. ﴿فَيَعْلَمُونَ:﴾ فيعتقدون، ويوقنون: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الحق: خلاف الباطل وضده، قال الراغب-رحمه الله تعالى-: أصل الحق:
المطابقة، والموافقة، كمطابقة رجل الباب في حقّه لدورانه على الاستقامة، والحقّ يقال لموجد الشيء بحسب ما تقتضيه الحكمة، ولذلك قيل في الله تعالى: هو الحق، وللموجود بحسب مقتضى الحكمة: حقّ، ولذلك يقال الشيء نفسه، نحو اعتقاد زيد في الجنة حقّ، وللفعل، والقول الواقعين بحسب ما يجب؛ أي أثبته حقّا، أو حكمت بكونه حقّا. بغدادي.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا:﴾ قال القرطبي رحمه الله تعالى: لغة تميم وبني عامر في «أَمَّا»:
«أيما» يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف، وعلى هذا ينشد بيت عمر بن أبي ربيعة، وهو الشاهد رقم [٨٤] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»: [الطويل]
رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت... فيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
وانظر الشاهد رقم [٨٩] منه أيضا فإنه جيد، والكلام عليه أجود.
﴿ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ أي: وأما الذين كفروا؛ فيتعجبون، ويقولون: ما الذي أراده الله من ضرب الأمثال بهذه الأمور الحقيرة، وإنما سمّوه مثلا؛ لأنه استعارة من المثل المضروب؛ لأنه ما غرب من الكلام وبدع استغرابا منهم لهذا المثل، واستبعادا له، وتحقيرا له أيضا.
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً:﴾ أي يضل بهذا المثل كثيرا من الكافرين لكفرهم به، ويهدي به كثيرا من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء هدى. هذا؛ ومثل هذه الآية الآية رقم [٣١] من سورة المدثر. ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ أي: وما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إلا الخارجين عن طاعة الله الجاحدين بآياته.
هذا؛ وقال علماء التوحيد: ليس معنى إضلال الله لفريق، وهدايته لفريق آخر: أنه تعالى يجبر كلاّ منهما على الضلالة، والهدى، ولا أنه سبحانه يكرههم على سلوك سبيلي الخير والشر، كلاّ، فإن هذا الإكراه مناف للعدل الإلهي، بل مناف لحكمة التشريع السّماوي، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة، القاطعة الدالة على أن العبد له إرادة، واختيار، هما مناط التكليف، والمؤاخذة، وكذلك فهم الصحابة والسلف الصالح، سأل رجل عليّا-﵁ فقال: أكان مسيرك إلى الشام يعني: «لقتال أهلها» بقضاء الله، وقدره، فقال له: ويحك! لعلّك ظننت قضاء لازما، وقدرا حاتما! ولو كان كذلك؛ لبطل الثواب، والعقاب، وسقط الوعد، والوعيد، إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييرا، ونهاهم تحذيرا، وكلّف يسيرا، ولم يكلف عسيرا،
Juz 1, hlm. 83 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.