تعليقهما ب ﴿الْخَبِيثَ﴾ أو بمحذوف حال منه، والأول أقوى. ﴿تُنْفِقُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿الْخَبِيثَ،﴾ والرابط: الضمير المجرور محلاّ ب (﴿مِنْ﴾) وهو مما يقوي التعليق به، وعلى التعليق ب ﴿الْخَبِيثَ﴾ فتحتاج الجملة إلى تقدير رابط، التقدير: تنفقونه.
﴿وَلَسْتُمْ:﴾ الواو: واو الحال. (﴿لَسْتُمْ﴾): فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، والميم في الكل حرف دال على جماعة الذكور، ﴿بِآخِذِيهِ:﴾ الباء: حرف جر صلة. (آخذيه):
خبر (ليس) مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعلامة الجر اللفظي، والنصب المحلي الياء نيابة عن الكسرة، والفتحة؛ لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، وجملة: (﴿لَسْتُمْ..﴾.) إلخ في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط الواو، والضمير ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب، واستقبال. ﴿تُغْمِضُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعله، والألف للتفريق، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف، التقدير: إلا بإغماضكم، والجار والمجرور متعلقان ب (آخذيه) وأجاز أبو البقاء اعتبار المصدر المؤول في محل نصب على الحال، والعامل فيه (آخذيه) والمعنى:
لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض. ﴿فِيهِ:﴾ متعلقان بما قبلهما، وجملة: ﴿وَاعْلَمُوا..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿أَنْفِقُوا..﴾. إلخ وما عطف عليها، والاستئناف ممكن بالإعراض عمّا قبلها.
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾
الشرح: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ:﴾ يخوّفكم من الفقر، وانظر الآية رقم [٢٧١] الآتية. هذا؛ والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيّد بالموعد ما هو، فقد يقدر بالخير، وبالشرّ، كالبشارة، لكنّ الوعيد لا يكون إلا بالشرّ. هذا و (يعد) أصله: يوعد فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلّم، والمخاطب قياسا عليه. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ:﴾ بالبخل، ومنع الزّكاة، والصّدقة. قال الكلبيّ:
كلّ فحشاء في القرآن فهي الزنى إلا هذا الموضع، وفي هذه الآية لطيفة، وهي أن البخل صفة مذمومة عند كلّ أحد، فلا يستطيع الشّيطان أن يحسّن له البخل إلا بتلك المقدّمة، وهي التخويف من الفقر، فلهذا قال تعالى: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ..﴾. إلخ. هذا والفعل (﴿يَأْمُرُكُمْ﴾) وما فيه «أمر» يتعدّى لمفعولين، تارة بنفسه، كما في قولك: أمرتك الخير، وقال عمرو بن معدي كرب الزّبيدي
Juz 1, hlm. 648 ›
-﵁، وهو الشاهد رقم [٥٩٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» رقم [٤٨٥] من كتابنا: «فتح رب البرية»: [البسيط]
أمرتك الخير، فافعل ما أمرت به... فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وتارة يتعدّى إلى الثاني بحرف الجر، كما في قولك: أمرتك بالخير، ومثله: استغفر، واختار، وكنى، وسمّى، ودعا، وصدّق، وزوّج، وكان، ووزن، قال الشاعر: وهو الشّاهد رقم [٤٨٦] من كتابنا فتح ربّ البرية: [البسيط]
أستغفر الله ذنبا لست محصيه... ربّ العباد، إليه الوجه والقبل
وقد تحذف الهمزة من أمره، فتقول: مر، كما تحذف من أمر: أخذ، يأخذ، فتقول: خذ، وتحذف من أمر: أكل يأكل، فتقول: كل، والأصل: اؤمر، وأؤخذ، واؤكل، فحذفت الهمزتان من الأفعال الثلاثة لاجتماع الضّمّات، وقد قالوا: اؤمر أؤخذ، فاستعمل على الأصل، ومنه اؤمر في الآية رقم [١٤٥] من سورة (الأعراف)، وفي الآية رقم [١٣٢] من سورة (طه)، والآية رقم [١٧] من سورة (لقمان).
﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ:﴾ لذنوبكم، وسترا لعيوبكم، وخلفا لما تنفقون زائدا عن الأصل، ورزقا حسنا. ﴿وَفَضْلاً:﴾ كرما، وجودا منه تعالى، فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة، والفضل إشارة إلى منافع الدنيا، وما يحصل من الرّزق، والخلف. ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ:﴾ انظر الآية رقم [٢٦١] ففيها الكفاية، وخذ ما يلي:
فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ للشّيطان لمّة بابن آدم، وللملك لمّة، فأمّا لمّة الشّيطان فإيعاد بالشرّ، وتكذيب بالحقّ، وأمّا لمّة الملك فإيعاد بالخير، وتصديق بالحقّ، فمن وجد ذلك؛ فليعلم: أنّه من الله تعالى، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى؛ فليتعوّذ بالله من الشّيطان، ثمّ قرأ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ..﴾. إلخ». أخرجه الترمذيّ، والنّسائي، وغيرهما.
وعن أبي هريرة-﵁: أنّ رسول الله ﷺ: «لا يخرج رجل شيئا من الصّدقة حتّى يفكّ عنها لحيي سبعين شيطانا». أخرجه الإمام أحمد.
طرفة: يروى: أنّ واعظا ذكر هذا الحديث في مجلس وعظه. فتحمّس أحد السّامعين، وقال: أنا أفك لحيي سبعين شيطانا السّاعة، فذهب إلى بيته، فملأ ذيله من القمح، أو الشعير، فتعلّقت به زوجته، وأخذت تتلتله، وتقول له: الله يساعدنا نحن كذا.. نحن كذا حتى ألقت ما في ذيله في العتبة، فرجع خائبا، فقال له الواعظ: ما لك؟ فقال: غلبت سبعين شيطانا، فجاءت أمّهم، فغلبتني.
هذا؛ والشيطان: اسم يطلق على عدو الله إبليس، وقد يطلق على كلّ نفس عاتية خبيثة، خارجة عن الصراط المستقيم من الإنس، والجن، والحيوان، وما أكثر الشيطان بهذا المعنى من بني آدم، قال تعالى في سورة (الأنعام) رقم [١١٢]: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي﴾
Juz 1, hlm. 649 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.