تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى وَاِتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)﴾
الشرح: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ وهي: شوال، وذو، والعشر الأول من ذي الحجة. وهو قول الشافعي رحمه الله تعالى. والقول بصحّة الإحرام بالحجّ في جميع السنة هو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد رحمهم الله تعالى. واحتجّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فعند الشافعية إذا أحرم بغير أشهر الحج انعقد إحرامه عمرة.
﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ:﴾ بنية الإحرام عند الشّافعي، وعند أبي حنيفة بالتلبية، وإنّما سمي شهران، وبعض الشهر أشهرا، إقامة للبعض مقام الكل، أو إطلاقا للجمع على ما فوق الواحد، أو هو من باب التغليب.
﴿فَلا رَفَثَ:﴾ المراد به هنا: الجماع، انظر الآية رقم [١٨٧] فإنه جيد. أي: من أحرم بالحج، أو بالعمرة؛ فليجتنب الجماع، وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة، والتقبيل، ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء. قال ابن عمر-﵄: الرفث: إتيان النساء، والتكلم بذلك للرّجال، والنساء، إذا ذكروا ذلك بأفواههم، ومنه قول المحرم لامرأته:
فإذا أحللنا؛ فعلنا بك كذا من غير كناية. وقاله ابن عباس أيضا، وأنشد وهو محرم: [الرجز]
وهنّ يمشين بنا هميسا... إن تصدق الطّير ننك لميسا
فقال له صاحبه حصين بن قيس: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إن الرّفث ما قيل عند النّساء.
هذا؛ والرّفث: كلّ كلام ساقط لا قيمة له، قاله أبو عبيدة، وأنشد قول الشاعر: [الرجز]
وربّ أسراب حجيج كظّم... عن اللّغا ورفث التّكلّم
﴿وَلا فُسُوقَ:﴾ ولا خروج عن حدود الشّريعة. وقيل: هو السباب، والتنابز بالألقاب، وقال ابن عباس-﵄: الفسوق: جميع المعاصي المنهي عنها في حال إحرامه بالحج، أو بالعمرة، ومنه قتل الصيد، وقصّ الظفر. وقد ثبت عن أبي هريرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حجّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه». ورواية الصّحيحين: «رجع كيوم ولدته أمّه». ﴿وَلا جِدالَ﴾ أي: ولا مماراة، ولا مخاصمة. وهذه الأمور الثلاثة منهي عنها في جميع الحالات، وفي جميع الأوقات، والأمكنة.
وفي حالة الإحرام آكد، وهي في الحج أقبح، صيغته نفي، وحقيقته نهي، أي: لا يرفث... إلخ، وهو أبلغ من النّهي الصريح، كما هو معروف في فن البلاغة. قال رسول الله ﷺ:
Juz 1, hlm. 461 ›
«ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلاّ أوتوا الجدل» ثم قرأ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً﴾. رواه الترمذي، وابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁.
﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وهو الذي يجازيكم عليها. حثّ الله على فعل الخير عقيب النهي عن الشرّ، وهو أن يستعملوا مكان الرّفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البرّ، والتقوى، ومكان الجدال الوفاق، والأخلاق الجميلة.
هذا؛ وذكر سبحانه الخير، وإن كان عالما بجميع أفعال العباد لفائدة، وهي: أنّه تعالى إذا علم من عبده المؤمن الخير؛ ذكره في الملأ الأعلى، وأشهره، وإذا علم منه الشر؛ أسرّه، وأخفاه:
فإذا كان هذا فعله مع عبده المؤمن في الدنيا؛ فكيف يكون في العقبى، وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا يخجل العبد من ربّه حين ارتكابه المعصية؛ وهو يوقن: أنّه يراه، ويعلم ما يفعل.
هذا؛ والإحرام بالحج، والعمرة على ثلاثة أنواع: إفراد، وتمتّع، وقران. فصورة الإفراد: أن يحج، ثم بعد فراغه منه يعتمر من أدنى الحلّ. وصورة التّمتّع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحجّ، ويأتي بأعمالها، فإذا فرغ منها أحرم بالحج من مكّة في تلك السّنة. وصورة القرآن: أن يحرم بالعمرة، والحج في أشهر الحجّ، فينويهما بقلبه، وكذلك: لو أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم أدخل عليها الحجّ قبل أن يفتتح الطواف، فيصير قارنا. واختلفوا في الأفضل: فذهب مالك، والشّافعي إلى أن الإفراد أفضل، ثم التمتّع، ثم القران. وذهب الثوريّ، وأبو حنيفة إلى أن القرآن أفضل. وذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه إلى أن التمتّع أفضل، ولكلّ دليله، علما بأن المفرد بالحج لا يلزمه شيء، وأما القارن، والمتمتع؛ فيلزمهما دم، أو صيام، كما قدّمته فيما سبق.
﴿وَتَزَوَّدُوا:﴾ أمر الله باتخاذ الزاد في سفر الحج. نزلت في أناس من أهل اليمن، كانوا يخرجون للحجّ من غير زاد، ويقولون: نحن متوكّلون، ويقولون: نحج بيت ربنا. أفلا يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة؛ سألوا الناس، وربما أفضى بهم الحال إلى الغصب، والنهب، والسّرقة. قال رجل للإمام أحمد-رحمه الله تعالى-: أريد أن أخرج إلى مكة على التوكّل بلا زاد. فقال له:
اخرج في غير القافلة. فقال: لا، إلا معهم، قال ﵀: فعلى جرب النّاس توكّلت!.
﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ أي: تزودوا ما تتبلّغون به. وتكفّون به وجوهكم عن الناس، واتّقوا إبرامهم، والتثقيل عليهم، وكذلك ما تتقون به من الهلكة، والضياع. وقيل: المعنى تزوّدوا من العبادة، والطّاعة، فإن الإنسان لا بدّ له من سفر في الدنيا، ولا بدّ له من زاد، ويحتاج فيه إلى الطّعام، والشراب... إلخ، ولا بدّ له من سفر في الدّنيا إلى الآخرة، ولا بدّ له من زاد، وهو تقوى الله، والعمل بطاعته، وهذا أفضل من الزاد الأول، فإن زاد الدنيا يوصل إلى مراد الدنيا، وشهواتها، وزاد الآخرة يوصل إلى النعيم المقيم، وفي هذا المعنى يقول الأعشى من قصيدته التي أعدّها لمدح الرسول ﷺ: [الطويل]
Juz 1, hlm. 462 ›
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى... ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على أن لا تكون مكانه... وأنّك لم ترصد كما كان أرصدا
انظر الشاهد رقم [٣٩١] من كتابنا: «فتح القريب المجيب»، وانظر حياة الأعشى في كتابنا:
«فتح الكبير المتعال إعراب المعلقات العشر الطوال» تجد ما يسرك، ويثلج صدرك.
﴿وَاتَّقُونِ﴾ أي: خافوا عقابي، واشتغلوا بطاعتي، وتقواي، وفيه تنبيه على كمال الله ﷻ. ﴿يا أُولِي الْأَلْبابِ:﴾ يا أصحاب العقول السليمة، والقلوب الفاهمة، وقد خص الله أولي الألباب بالخطاب، وإن كان الأمر يعم جميع الناس؛ لأنهم الذين قامت عليهم الحجّة، وهم العاملون بأوامر الله، المنتهون عن زواجره. وانظر الآية رقم [١٧] فإنه جيد.
الإعراب: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ:﴾ مبتدأ، وخبر، وقال بعضهم: التقدير: الحج حجّ أشهر معلومات، وقيل: التقدير: وقت الحج. ﴿مَعْلُوماتٌ:﴾ صفة ﴿أَشْهُرٌ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة لا محل لها. ﴿فَمَنْ:﴾ الفاء: حرف تفريع واستئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿فَرَضَ:﴾ فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل يعود إلى (من)، ﴿فِيهِنَّ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿الْحَجُّ:﴾ مفعول به. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب الشرط.
(لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿رَفَثَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لا﴾): صلة لتأكيد النفي في الموضعين. ﴿فُسُوقَ،﴾ ﴿جِدالَ:﴾
معطوفان على ﴿رَفَثَ﴾. ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر (﴿لا﴾). هذا وجه للإعراب، ويجوز اعتبار (﴿لا﴾) عاملة في الثلاثة، والجار والمجرور: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبر الأخيرة، وخبر الأولى والثانية محذوف لدلالة خبر الثالثة عليه. هذا؛ وتقرأ الأسماء الثلاثة بالرّفع، وخرج على وجهين: إهمال (﴿لا﴾)، وإعمالها، فعلى الإهمال فيه أيضا وجهان: اعتبار الأول مبتدأ، والثاني، والثالث معطوفان عليه، و ﴿فِي الْحَجِّ﴾ متعلقان بمحذوف خبره. والوجه الثاني اعتبار الكل مبتدءات، و ﴿فِي الْحَجِّ﴾ خبر الثالث، وخبر الثاني والأول محذوفان لدلالة الثالث عليهما، كما يجوز اعتبار: ﴿فِي الْحَجِّ:﴾ خبرا للأول، وخبر الثاني، والثالث محذوفان لدلالة خبر الأول عليهما، وعلى إعمال (﴿لا﴾) عمل ليس يجوز أيضا جميع الاعتبارات التي ذكرتها في إهمالها، كما قرئ برفع الأولين، وتنوينهما، وفتح الأخير، وعلى هذه القراءة يجوز في الأولين ما ذكرته في وجهي إهمال (﴿لا﴾) وإعمالها من الاعتبارات، وتعتبر الأخيرة عاملة عمل «إنّ» والخبر لها، وخبر الأولين محذوف على جميع الاعتبارات، وخذ قول ابن مالك رحمه الله تعالى في ألفيته: [الرجز]
وركّب المفرد فاتحا كلا... حول ولا قوّة والثّان اجعلا
Juz 1, hlm. 463 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.