تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿جَنَفاً:﴾ مفعول به. ﴿أَوْ:﴾ حرف عطف. ﴿إِثْماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿فَأَصْلَحَ:﴾
الفاء: حرف عطف. (أصلح): فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) أيضا، والجملة الفعلية معطوفة على جملة: ﴿خافَ..﴾. إلخ، ﴿بَيْنَهُمْ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جرّ بالإضافة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب (من) على اعتبارها شرطية، أو موصولة. (لا): نافية للجنس تعمل عمل «إنّ». ﴿إِثْمَ:﴾ اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب. ﴿عَلَيْهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (لا)، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشّرط، أو في محل رفع خبر (من) على اعتبارها موصولة. ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ:﴾ هذه الجملة مفيدة للتعليل، أو هي معترضة في آخر الكلام، الغرض منها الترغيب في الإصلاح بين الناس، وعلى الاعتبارين لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا:﴾ نادى الله عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف، وألطف عبارة، أي: يا من صدقتم الله، ورسوله، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان، وقد خاطب الله عباده المؤمنين بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في ثمانية وثمانين موضعا من القرآن الكريم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله، ونواهيه بحسن الطّاعة، والامتثال، وإنّما خصّهم الله بالنّداء؛ لأنهم هم المستجيبون لأمره، والمنتهون عمّا نهى الله عنه؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر، أو بنهي.
﴿كُتِبَ:﴾ فرض. ﴿الصِّيامُ﴾ هو في اللغة: الإمساك، وقد يكون إمساكا عن الكلام على حدّ قوله تعالى لمريم ﵍: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي:
سكوتا عن الكلام، وقد يكون إمساكا عن غيره، ومنه قول النّابغة الذبياني: [البسيط]
خيل صيام وخيل غير صائمة... تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما
أي: خيل ثابتة ممسكة عن الجري، والحركة، فهي تعلك لجمها، لمنعها عن الجري، والركض، ثمّ نقل الصيام في الشرع إلى إمساك مخصوص عن الطعام، والشراب، والجماع، ونحو ذلك بنيّة مخصوصة، من طلوع الفجر إلى غروب الشّمس، وتمامه، وكماله باجتناب المحرّمات، وعدم الوقوع في المحظورات، لقول النبيّ ﷺ: «من لم يدع قول الزّور، والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». أخرجه البخاريّ، وغيره عن أبي هريرة ﵁. وقال أيضا: «ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع، والعطش، وربّ قائم حظّه من قيامه الكدّ، والسّهر»، أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة، ﵁. ورحم الله من يقول: [الطويل]
Juz 1, hlm. 419 ›
وما صام من صامت عن الزّاد بطنه... وأذعن للآثام والشّهوات
وليس له من صومه غير جوعه... وقد باء بالخسران والحسرات
وقال آخر: [الطويل]
إذا لم يكن في السّمع منّي تصاون... وفي بصري غضّ في منطقي صمت
فحظّي من صومي هو الجوع والظّما... وإن قلت إنّي صمت يوما فما صمت
وينبغي أن تعلم: أنّ الله فرض على نبيه ﷺ في ابتداء الدّعوة إلى الإسلام صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وكانت قريش تصوم يوم عاشوراء، وكان ﷺ يصومه، ولمّا هاجر إلى المدينة رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» قالوا: هذا يوم صالح نجّى الله فيه بني إسرائيل من فرعون، فصامه موسى ﵇ فنحن نصومه، فقال: «أنا أحق منكم بموسى ﵊»، فصامه، وأمر بصيامه، فلما فرض الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة؛ نسخ فرض ما تقدّم، وبقيت سنّيته، كما هو مقرر ومعلوم في الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة.
وقد روي: أنّ هذا الصيام لم يزل مشروعا من زمن نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.
هذا؛ وفعل المادة واوي: صام، يصوم، ومصدره: صوما، وصواما، وقد قلبت الواو ياء في الثاني لمناسبة الكسرة، ومثله: قيام، مصدر قام يقوم، فقد ذكر السيوطي رحمه الله تعالى في (همع الهوامع) في باب الإبدال ما يلي: تبدل الياء بعد كسرة من واو، هي عين مصدر لفعل معتل العين، موزون بفعال، نحو: قام قياما، وعاد عيادا، بخلاف عين غير المصدر، كصوان وسواك، والمصدر المفتوح أوله كرواح، أو المضمون كقوار، والمكسور الذي لم تعلّ عين فعله، ك «لاوذ، لواذا» و «عاود عوادا»، أو الموزون بفعل كالحول، وتبدل أيضا بعد كسرة من واو هي عين جمع لواحد ساكن العين، أو معتلها، صحيح اللام، موزون بفعال كثوب وثياب، وحوض وحياض، ودار وديار، وريح ورياح، بخلاف عين المفرد. انتهى.
﴿كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ يعني من الأمم، وأنبيائهم، من لدن آدم إلى عهدكم، والمعنى: أنّ الصوم عبادة قديمة لم يخل الله أمّة إلا وقد فرضه عليها، كما فرضه عليكم، وذلك لأنّ الصوم عبادة شاقة، والشيء الشّاقّ إذا عمّ سهل عمله، وقيل: إنّ أول من صام شهر رمضان نوح، على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام.
هذا؛ وقيل: إنّ صيام شهر رمضان كان واجبا على النّصارى، كما فرض علينا، فصاموا رمضان زمانا، فربما وقع في الحرّ الشديد، والبرد الشديد، وكان ذلك يشقّ عليهم في أسفارهم، ويضرّهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوه في فصل من السنة،
Juz 1, hlm. 420 ›
معتدل بين الصيف والشتاء، فجعلوه في فصل الرّبيع، ثم زادوا عشرة أيام كفارة لما صنعوا، فصاموا أربعين يوما، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه، فجعل لله عليه، إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا، فزادوا فيه أسبوعا، ثم مات ذلك الملك بعد زمان، ووليهم ملك آخر، فقال: ما شأن هذه الثلاثة أيام؟! أتمّوه خمسين، فأتموه خمسين.
واختار هذا القول النّحاس، وقال: وهو أشبه بما في الآية، وفيه حديث يدلّ على صحته، أسنده عن دغفل بن حنظلة، عن النبي ﷺ قال: «كان على النصارى صوم شهر، فمرض رجل منهم، فقالوا: لئن شفاه الله؛ لنزيدنّ عشرة أيام، ثم كان ملك آخر، فأكل لحما، فأوجع فاه، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدنّ سبعة أيام، ثم كان ملك آخر، فقال: لنتمّنّ هذه السبعة، ونجعل صومنا في الربيع، قال: فصار خمسين». انتهى خازن، وقرطبي، وفي الكشاف باختصار.
وأقول: ثمّ فكر علماؤهم بأنّ الامتناع من الطّعام، والشّراب طيلة النّهار، ثم الانفلات من ذلك عند المساء، والانكباب على الطّعام، والشراب هذا لا يكسر شره النفس، ولا يحقّق الحكمة من الصّوم، وهي تهذيب الأخلاق، وتأديب الجوارح، فرأوا أن يكون الامتناع عن الدسم-أي: عما يخرج من الحيوان-أردع للنفس وأزجر لها عن المعاصي، فقرّروا أن يكون الصّوم عن ما يخرج من الحيوان من اللّحم، وغيره، وهذا كلّه يخضع لقاعدة عندهم، وهي أن ما يعقد في الأرض يعقد في السّماء، وما يحلّ في الأرض يحلّ في السماء، فكأنّ وظيفة الرّبّ في نظرهم هي الموافقة على ما يحلّلون، وما يحرّمون فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ انظر الآية رقم [١٨٦] الآتية.
الإعراب: (﴿يا﴾): أداة نداء، تنوب مناب أدعو، أو أنادي. (﴿أَيُّهَا﴾): منادى نكرة مقصودة مبنية على الضم في محل نصب ب (﴿يا﴾). و (ها): حرف تنبيه، لا محل له من الإعراب، أقحم للتوكيد، وهو عوض من المضاف إليه، ولا يقال: ضمير في محل جر بالإضافة؛ لأنه يجب حينئذ نصب المنادى. ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع بدل من لفظ: (﴿أَيُّهَا﴾) وجملة:
﴿آمَنُوا..﴾. إلخ مع المتعلق المحذوف صلة الموصول، لا محل لها. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ﴿عَلَيْكُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿الصِّيامُ:﴾ نائب فاعل (﴿كُتِبَ﴾) والجملة الفعلية لا محل لها؛ لأنها مبتدأة كالجملة الندائية قبلها. ﴿كَما:﴾ الكاف:
حرف تشبيه وجر، (ما): مصدرية. ﴿كُتِبَ:﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى ﴿الصِّيامُ﴾. ﴿عَلَى الَّذِينَ:﴾ جار ومجرور متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ:﴾ متعلقان بمحذوف صلة الموصول، والكاف ضمير متصل في محل جر بالإضافة، و (ما) المصدرية، والفعل: ﴿كُتِبَ﴾ في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق محذوف، التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة كائنة مثل كتابته على الذين. أو
Juz 1, hlm. 421 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.