تفسير الماوردي = النكت والعيون
· الماوردي
﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ﴾ أما الصفا والمروة فهما مبتدأ السعي ومنتهاه. وفيه قولان: أحدهما: أن الصفا: الحجارة البيض , والمروة الحجارة السود. واشتقاق الصفا من قولهم صفا يصفو إذا خَلَص , وهو جمع واحده صفاة. والثاني: أن الصفا: الحجارة الصلبة التي لا تنبت شيئاً , والمروة الحجارة الرخوة , وهذا أظهر القولين في اللغة. يدل على الصفا قول الطرماح:
(أبت لي قوتي والطول إلاّ ... يؤيسَ حافراً أبداً صفاتي)
ويدل على المروة قول الكميت:
(ويُوَلّي الأرضَ خفاً ذابلاً ... فإذا ما صادف المَرْوَ رضخ)
وحُكِيَ عن جعفر بن محمد قال: نزل آدم على الصفا , وحواء على المروة , فَسُمِّي الصفا باسم آدم المصطفى وسميت المروة باسم المرأة. وقيل إن اسم الصفا ذكّر بإساف وهو صنم كان عليه مذكر الاسم , وأنثت المروة بنائلة وهو صنم كان عليه مؤنث الاسم. وفي قوله: ﴿مِن شَعَائِرِ اللهِ﴾ وجهان: أحدهما: يعني من معالم الله التي جعلها لعباده معلماً , ومنه قول الكميت:
(نقتّلهم جيلاً فجيلاً تراهُمُ ... شعائر قربان بها يُتَقَرَّبُ)
Juz 1, hlm. 211 ›
والثاني: إن الشعائر جمع شعيرة وهو الخبر الذي أخبر الله تعالى عنه , وهي من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم من الطواف بهما , وهذا قول مجاهد. ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ أما الحج ففيه قولان: أحدهما: أنه القصد , سمي به النسك لأن البيت مقصود فيه , ومنه قول الشاعر:
(وأشهد من عوف حلولاً كثيرة ... يحجون سب الزبرقان المزعفرا)
يعني بقوله يحجون أي يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته , فسمي الحج حجاً لأن الحاج يأتي قِبَلَ البيت ثم يعود إليه لطواف الإفاضة , ثم ينصرف إلى منى ويعود إليه لطواف الصدر , فلتكرر العَوْد إليه مرة بعد أخرى قيل له: حاجّ. وأما العمرة ففيها قولان: أحدهما: أنها القصد أيضاً , وكل قاصد لشيء فهو معتمر , قال العجاج:
(لقد غزا ابن معمر حين اعتمر ... مَغْزىً بعيداً من بعيد وصَبَر)
يعني بقوله حين اعتمر أي حين قصد. والقول الثاني: أنها الزيارة ومنه قول الشاعر:
(وجاشت النفسُ لمَّا جاءَ فَلُّهم ... وراكب جاءَ من (تثليث) معتمرا)
أي زائراً. ثم قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ورفع الجناح من أحكام المباحث دون الواجبات.
Juz 1, hlm. 212 ›
فذهب أبو حنيفة على أنّ السعي بين الصفا والمروة غير واجب في الحج والعمرة منسكاً بأمرين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ورفع الجناح من أحكام المباحات دون الواجبات. والثاني: أن ابن عباس وابن مسعود قَرَء: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لَاّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وذهب الشافعي , ومالك , وفقهاء الحرمين , إلى وجوب السعي في النسكين تمسكاً بفحوى الخطاب ونص السنة , وليس في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ دليل على إباحته دون وجوبه , لخروجه على سبب , وهو أن الصفا كان عليه في الجاهلية صنم اسمه إساف , وعلى المروة صنم اسمه نائلة , فكانت الجاهلية إذا سعت بين الصفا والمروة طافوا حول الصفا والمروة تعظيماً لإساف ونائلة , فلما جاء الإسلام وألغيت الأصنام تَكَرَّهَ المسلمون أن يُوَافِقُوا الجاهلية في الطواف حول الصفا والمروة , مجانبةً لما كانوا عليه من تعظيم إساف ونائلة , فأباح الله تعالى ذلك لهم في الإسلام لاختلاف القصد فقال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. وأما قراءة ابن مسعود , وابن عباس: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لَاّ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ , فلا حجة فيها على سقوط فرض السعي بينهما لأن (لا) صلة في الكلام إذا تقدمها جَحْد , كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] بمعنى ما منعك أن تسجد , وكما قال الشاعر:
(ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والطيبان أبو بكر ولا عُمَرُ)
﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ومن تطوع بالسعي بين الصفا والمروة , وهذا قول مَنْ أسقط وجوب السعي. والثاني: ومن تطوع بالزيادة على الواجب , وهذا قول من أوجب السعي. والثالث: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد أداء فرضهما.
Juz 1, hlm. 213 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.