تفسير المراغي
· المراغي، أحمد بن مصطفى
ونحو الآية قوله: «وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ، لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» وقوله «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ» وقوله «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا» .
(وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً) أي وجعلنا بين المشركين وما كانوا يدعون من دون الله شركاء فى الدنيا- موضعا للهلاك وهو النار حسما لأطماعهم أن يصل إليهم من دعوه للشفاعة.
(وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً) أي وعاين المشركون النار يومئذ فعلموا أنهم داخلوها ولم يجدوا بدّا من الوقوع فيها، لأن الله قد حتّم عليهم ذلك، فلا معدل لهم عنها، ولا مكان لهم ينصرفون إليه ويزايلونها، إذ قد أحاطت بهم من كل جانب.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٤ الى ٥٩]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)
Juz 15, hlm. 164 ›
تفسير المفردات
صرّفنا: أي ردّدنا وكررنا، والمثل: الصفة الغريبة، والجدل: المنازعة بالقول ويراد به هنا المماراة والخصومة بالباطل، وسنة الأولين: الإهلاك بعذاب الاستئصال، والقبل (بضمتين) الأنواع والألوان واحدها قبيل، ليدحضوا به الحق: أي ليبطلوه ويزيلوه من قولهم دحضت رجله أي زلقت ودحضت حجته بطلت، وما أنذروا:
أي ما خوفوه من أنواع العقاب، ونسى ما قدمت يداه، أي لم يتدبر عواقبه، أكنة:
أي أغطية واحدها كنان، أن يفقهوه: أي أن يفهموه. وقرا: أي ثقلا فى السمع، الموعد: يوم القيامة، موئلا: أي ملجأ يقال وأل فلان إلى كذا وألا ووءولا: إذا لجأ إليه، القرى: أي قرى عاد وثمود وقوم لوط وأشباههم.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر سبحانه شبهات المبطلين ورد عليها بأدلة لا تدحض، وبرهانات لاتردّ- قفى على ذلك ببيان أن فى القرآن من الأمثال ما فيه مقنع لمن تذكر وتدبر وألقى السمع وهو شهيد، لكنها القلوب قد تحجرت، والأفئدة قد قست، فلا تنفع فيها الذكرى، ولا تستجيب لوعظ الواعظ، ونصيحة المذكر، ولو آخذهم ربهم بما كسبوا لأرسل عليهم العذاب معجّلا، ولم يبق منهم على ظهر الأرض أحدا، ولكنه الغفور ذو الرحمة، فجعل لهلا كهم موعدا، لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويرعوون عن غيهم.
أخرج الشيخان وابن المنذر وابن أبى حاتم عن على كرم الله وجهه «أن النبي
Juz 15, hlm. 165 ›
صلى الله عليه وسلّم طرقه وفاطمة ليلا فقال (ألا تصلّيان) فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلىّ شيئا، ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول «وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» .
الإيضاح
(وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) أي ولقد وضّحنا للناس كل ما هم فى حاجة إليه من أمور دينهم ودنياهم، ليتذكروا فينيبوا ويعتبروا ويزدجروا عماهم عليه مقيمون من الشرك بالله وعبادة الأوثان، لكنهم لم يقبلوا ذلك، ولم يرعووا عن غيهم وعنادهم، واستكبارهم وعتوهم.
ثم بين سبب هذا العتو وتلك المماراة فقال:
(وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) أي وكان الإنسان بمقتضى جبلّته أكثر شىء مراء وخصومة، لا ينيب إلى حق، ولا يزدجر لموعظة، والمراد بذلك خصومة الأمم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاءوا به، كما حكى الله عنهم من قولهم «ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ» وقولهم «يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ» وشديد تعنتهم كما حكى عنهم بنحو قولهم «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» .
وخلاصة ذلك- إن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل، لما أوتيه من سعة الحيلة، وقوة المعارضة، واختلاف النزعات والأهواء، وقوة العزيمة إلى غير حد فلو اتجه إلى سبل الخير، وتاقت نفسه إلى سلوك طريقه، ارتقى إلى حظيرة الملائكة، ولو نزعت نفسه إلى اتباع وساوس الشيطان، انحط إلى الدرك الأسفل ولحق بأنواع الحيوان، يفعل ما يشاء، غير مقيد بوازع من الدين، ولازمام من العقل وصادق العريمة.
Juz 15, hlm. 166 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.