تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
مجزوم، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق. ﴿مِنّا﴾: متعلقان بالفعل قبلهما، وجملة: ﴿تَسْخَرُوا مِنّا﴾ لا محل لها؛ لأنها ابتدائية، ويقال: لأنها جملة شرط غير ظرفي. ﴿فَإِنّا﴾: الفاء واقعة في جواب الشرط. (إنا): حرف مشبه بالفعل، و «نا»: اسمه، وحذفت نونها، وبقيت ألفها، وجملة: ﴿نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ في محل رفع خبر (إنّ)، والجملة الاسمية: (إنا...) إلخ في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور، والدسوقي يقول: لا محل لها؛ لأنها لم تحل محل المفرد، و (إن) ومدخولها في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها على المعتمد. ﴿كَما﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. و (ما):
مصدرية. ﴿تَسْخَرُونَ﴾: فعل وفاعل، والمتعلق محذوف، التقدير: كما تسخرون منا، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، واقع مفعولا مطلقا، التقدير: فإنا نسخر منكم سخرية كائنة مثل سخريتكم بنا. تأمل، وتدبر، وربك أعلم.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾
الشرح: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تهديد ووعيد، والفعل يحتمل أن يكون من «العلم»، وأن يكون من المعرفة. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾: يذله، ويهينه، والمراد به: عذاب الدنيا. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾: المراد به عذاب الآخرة؛ الذي لا ينقطع، وهو عذاب النار.
الإعراب: ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: حرف استئناف. (سوف): حرف استقبال. ﴿تَعْلَمُونَ﴾:
مضارع مرفوع... إلخ، والواو: فاعله. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به أول إن كان الفعل من العلم، والثاني محذوف، واعتباره من المعرفة هنا أولى.
تأمل. و ﴿مَنْ﴾ تحتمل أن تكون استفهامية مبتدأ، التقدير: أينا يأتيه العذاب؟ وجملة: ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ على اعتبارها موصولة، وفي محل رفع خبرها على اعتبارها استفهامية مبتدأ؛ وعليه يكون الفعل ﴿تَعْلَمُونَ﴾ معلقا عن العمل، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعوله، أو مفعوليه حسب ما رأيت، وجملة: ﴿يُخْزِيهِ﴾ في محل رفع صفة عذاب، وجملة:
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ معطوفة على ما قبلها، فهي في محل رفع مثلها. تأمل.
﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ (٤٠)﴾
الشرح: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ أي: بإهلاكهم وعذابهم. ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾: نبع الماء فيه وارتفع كالقدر تفور، والتنور: تنور الخبز، ابتدع منه الينبوع على خرق العادة، وكان في الكوفة في موضع
Juz 4, hlm. 436 ›
مسجدها، أو في الهند، وهو قول ضعيف، أو بعين وردة بأرض الجزيرة، وقيل: التنور: وجه الأرض جميعها، وقيل: أعاليها، وقيل: غير ذلك، والمعتمد الأول هذا؛ وما يقال: إنه عين التنور الموجودة قرب حمص؛ لم يقل به أحد من المفسرين، وكان فوران الماء منه إيذانا لنوح ﵇، ودليلا على هلاك قومه، قال أمية بن أبي الصلت: [الخفيف]
فار تنورهم، وجاش بماء... صار فوق الجبال حتّى علاها
قال القرطبي: والتنور أعجمي عربته العرب؛ لأن أصله: تنر، وليس في كلام العرب نون قبل راء، وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٢] و [٢٣] من سورة (يوسف) تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيها﴾ أي: في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ أي: من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها احمل اثنين. ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: ذكر وأنثى، وذلك لبقاء أصل النسل بعد الطوفان، هذا؛ والزوج يطلق على الزوجة وحدها، وعلى الزوج وحده، وهو المراد هنا؛ أي: احمل من كل فردين متزاوجين اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر.
قال ابن عباس-﵄: أول ما حمل نوح الدّرّة، وآخر ما حمل الحمار. قال البغوي: وروى بعضهم أن الحية والعقرب أتيا نوحا ﵇، وقالا: احملنا معك، فقال:
إنكما سبب البلاء فلا أحملكما. فقالا: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين خاف مضرتهما: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ لم يضراه، وهناك أقوال وروايات كثيرة ضربت عنها صفحا. هذا؛ ويذكر أن الله حشر لنوح السباع والطير وغيرهما. فجعل يضرب بيديه في كل نوع، فتقع يده اليمنى على الذكر، ويده اليسرى على الأنثى، فيحملهما في السفينة.
﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾: المراد بأهلك: زوجته المؤمنة وأولاده المؤمنون، وهم:
سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم. ومن سبق عليه القول في قديم الأزل بالهلاك وعدم الإيمان:
ابنه كنعان وأمه واعلة فإنها كانت كافرة كامرأة لوط. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: احمل المؤمنين من غير أهلك. ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾: قيل: كان المؤمنون معه تسعة وسبعين وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا؛ وقال الحسن رحمه الله تعالى: لم يحمل نوح-على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام-في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما البق، والذباب، والدود، فلم يحمل شيئا منها، وإنما خرج من الطين، هذا؛ وإنما جيء ب (علي) لأن السابق ضار، كما جيء باللام حيث كان نافعا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى﴾ الآية رقم [١٠١] من سورة (الأنبياء).
والمراد بالقول هنا ما عبر عنه في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
Juz 4, hlm. 437 ›
الإعراب: ﴿حَتّى﴾: حرف ابتداء، ويعتبرها الأخفش جارة ل ﴿إِذا،﴾ وقد ردّه ابن هشام في المغني، وعلى قول الأخفش تحتمل أن تكون متعلقة بالفعل: (يصنع)، وهو ظاهر قول الزمخشري، وأن تكون متعلقة بمحذوف دل عليه السياق، التقدير: دام ذلك إلى مجيء أمرنا، أو وقت مجيئه بالعذاب والإهلاك. ﴿إِذا﴾: ظرف مجرور ب ﴿حَتّى﴾ على قول الأخفش، وظرف لما يستقبل من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه، صالح لغير ذلك مبني على السكون في محل نصب، وجملة: ﴿جاءَ أَمْرُنا﴾ في محل جر بإضافة ﴿إِذا﴾ إليها على القول المشهور المرجوح، وجملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ معطوفة عليها. ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿اِحْمِلْ﴾: أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت». ﴿فِيها﴾: متعلقان بما قبلهما. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾: هنا قراءتان: يقرأ ﴿كُلٍّ﴾ بإضافة وبدون تنوين، وفيه وجهان: أحدهما: أن ﴿اِثْنَيْنِ﴾ مفعول به، وعليه فالجار والمجرور ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ متعلقان بمحذوف حال من ﴿اِثْنَيْنِ﴾ كان صفة له، فلما قدم عليه صار حالا، والثاني أن ﴿مِنْ﴾ زائدة، و ﴿كُلٍّ﴾ مفعول به مجرور لفظا منصوب محلاّ، وعليه ف ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد، وهذا على قول الأخفش، والقراءة الثانية بتنوين ﴿كُلٍّ،﴾ ولا إضافة، وعليه فمفعول ﴿اِحْمِلْ،﴾ هو زوجين، و ﴿اِثْنَيْنِ﴾ توكيد له، والجار والمجرور: ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ يحتمل تعليقهما ب ﴿اِحْمِلْ،﴾ ويحتمل بمحذوف حال من ﴿زَوْجَيْنِ،﴾ كان صفة له... إلخ، التقدير: احمل زوجين اثنين حالة كونهما من كل صنف من أصناف الحيوانات، ولا تنس أن القراءتين ترجعان إلى معنى واحد، معه آخر لا يستغنى عنه، وجملة: ﴿اِحْمِلْ فِيها..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، والجملة الفعلية: ﴿قُلْنَا..﴾. إلخ جواب ﴿إِذا﴾ لا محل لها هذا؛ وقال الكوفيون: جواب ﴿إِذا﴾ جملة: ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ والواو زائدة، وله نظائر كثيرة في كتاب الله تعالى وعليه فجملة: ﴿قُلْنَا..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها، والأول أقوى هنا؛ وإن كان الثاني يرجح في الآية رقم [١٠٣] من سورة (الصافات)، والآية رقم [٧٣] من سورة (الزمر)، و ﴿إِذا﴾ ومدخولها كلام مستأنف لا محل له على اعتبار ﴿حَتّى﴾ ابتدائية. (أهلك): معطوف على مفعول ﴿اِحْمِلْ﴾ على القراءتين، والكاف في محل جر بالإضافة. ﴿إِلاّ﴾: أداة استثناء. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول أو نكرة موصوفة مبنية على السكون في محل نصب على الاستثناء. وجملة: ﴿سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ صلة: ﴿مِنْ،﴾ أو صفتها، والعائد أو الرابط: الضمير المجرور ب (على). (من): مثل سابقتها، فهي في محل نصب معطوفة على مفعول ﴿اِحْمِلْ؛﴾ إذ التقدير: واحمل الذي أو شخصا، وجملة: ﴿آمَنَ﴾ صلة (من)، أو صفتها والعائد أو الرابط رجوع الفاعل إليها. ﴿وَما﴾: الواو: حرف استئناف. (ما): نافية.
﴿آمَنَ﴾: فعل ماض. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف مكان متعلق بالفعل قبله، والهاء في محل جر بالإضافة.
﴿إِلاّ﴾: حرف حصر. ﴿قَلِيلٌ﴾: فاعل، وجملة: ﴿وَما آمَنَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها، واعتبارها حالا لا يجوز؛ لأنه لا يوجد صاحب حال.
Juz 4, hlm. 438 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.