يغْزُو بأُمِّ سُلَيم، ونِسْوَةٍ مَعَها من الأَنْصارِ، يَسْقِينَ الماءَ، ويُداوِينَ الْجَرْحَى. قال التِّرْمِذِىُّ (٥): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. فإنْ قيلَ: فقد كان النَّبِىُّ ﷺ يُخْرِجُ معهُ مَنْ تَقَعُ عليها القُرْعَةُ من نسائِه، وخرَجَ بعائِشَةَ مَرَّاتٍ. قُلْنا (٦): تلك امْرأَةٌ واحدَةٌ، يأخُذُها لحاجَتِه إليها، ويجوزُ مثلُ ذلك للأَمِيرِ عندَ حاجَتِه، ولا يُرَخَّصُ لسائِرِ الرَّعِيَّةِ؛ لئلَّا يُفْضِىَ إلى ما ذكَرْنا.
فصل: ينْبَغِى للأَمِيرِ أنْ يَرْفُقَ بجَيْشِه، ويسيرَ بهم سَيْرَ أضْعَفِهم، لئلَّا (٧) يشُقَّ عليهم، وإنْ دَعَت الحاجَةُ إلى الجِدِّ في السَّيْرِ، جازَ له؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَدَّ في السَّيْرِ جِدًّا شَدِيدًا، حين بلغَه قولُ عبد اللَّه بن أُبَىٍّ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٨). ليشتَغِلَ الناسُ عن الخَوْضِ فيه (٩). وإنَّ [ابنَ] (١٠) عُمَرَ جَدَّ في السيرِ حين اسْتُصْرِخَ على صَفِيَّةَ (١١) امْرأتِه (١٢). ولا يميلُ الأميرُ مع مُوافقِيه في المَذْهبِ والنَّسَبِ على مُخالِفيه فيهما لئلَّا يكْسِرَ قلوبَهم، فَيَخْذُلونَه عند حاجَتِه إليهم. ويُكْثِرُ المُشاوَرَةَ لذوِي الرَّأْىِ من أصحابِه، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١٣). ويَتَخَيَّرُ الْمَنازِلَ لأصحابِه، وإذا وجَدَ رجُلٌ رجُلًا قد أُصِيبَت فَرَسُه، ومع الآخرِ فضْلٌ، اسْتُحِبَّ له