تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾
الشرح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أي: إن المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال هم خير الخليقة التي خلقها الله، وبرأها، فهم بسبب أعمالهم الصالحة، واجتنابهم الشرك، والأعمال القبيحة استحقوا أن يكونوا خير البرية. والخيرية يقال فيها ما قيل بقوله تعالى في سورة (البقرة) رقم [٤٧]: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ ولا تنس المقابلة بين الآية، وسابقتها.
الإعراب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ:﴾ انظر الآية السابقة. ﴿أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ:﴾
انظر الآية السابقة أيضا، والجملة الاسمية في محل رفع خبر ﴿إِنَّ،﴾ والجملة الاسمية مستأنفة.
﴿جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾
الشرح: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أي: ثواب الذين آمنوا، وعملوا الصالحات. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مدخر عند ربهم، والعندية عندية تشريف، وتكريم، لا عندية مكان. ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ:﴾ جنات إقامة، وخلود، يقال: عدن بالمكان: أقام فيه، ومنه: المعدن الموجود في باطن الأرض. وقال النبي ﷺ: «عدن دار الله التي لم ترها عين قطّ، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها إلا ثلاثة:
النبيون، والصدّيقون، والشهداء، يقول الله تعالى: طوبى لمن دخلك». رواه الطبراني عن أبي الدرداء-﵁. وقال عبد الله بن عمر-﵄: إن في الجنة قصرا، يقال له: عدن، حوله البروج، والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، لا يدخله إلا نبي، أو صديق، أو شهيد. والحبرة بكسر الحاء وفتحها: ضرب من البرود اليمنية مخطط. وروي: أن عمر الفاروق-﵁-قال لكعب الأحبار: ما جنات عدن؟ قال:
قصور من ذهب في الجنة يدخلها النبيون، والصديقون، والشهداء، وأئمة العدل.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت قصورها، وبين أشجارها. ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً:﴾ مقيمون لا يبرحون منها، لا يظعنون، ولا يموتون، ولا يهرمون. هذا؛ والأبد: الزمان الطويل؛ الذي ليس له حد، فإذا قلت: لا أكلمك أبدا، فالأبد من وقت التكلم إلى آخر العمر.
﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أي: قبل الله أعمالهم، فرضي عنهم، ونالوا ثوابه، فرضوا بما أعطاهم. وقال محمد بن الفضل: الروح، والراحة في الرضا، واليقين، والرضا باب الله الأعظم، ومحل استرواح العابدين. هذا؛ ولقد تكرر رضا الله عن عباده، ورضا عباده عنه في
Juz 10, hlm. 686 ›
القرآن الكريم، ويجدر بي أن أقول: إن رضا الله عن العبد موقوف على رضا العبد عن الله تعالى، وفحوى هذا: أن العبد إذا رضي بكل شيء يصيبه في دنياه من صحة، أو مرض، أو غنى، أو فقر، فيكون راضيا عن الله تعالى، فالله يثيبه رضاه؛ أي: رحمته وعفوه، وجوده، وإحسانه، فعليه: من أحب أن يعرف منزلته عند الله تعالى؛ فلينظر منزلة الله عنده، فإن الله تعالى ينزل العبد منه حيث أنزله العبد من نفسه، والدواء الشافي هو الرضا بقضاء الله، وقدره في كل ما يصيب المؤمن في دنياه. وخذ جرعة من هذا الدواء على لسان سيد الأنبياء ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم». رواه الإمام مسلم، وغيره عن أبي هريرة-﵁، وخذ ما يلي:
قال أبو زيد-رحمه الله تعالى-: غلطت في أربعة أشياء في الابتداء مع الله تعالى: ظننت أني أحبه، فإذا هو قد أحبني. قال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. وظننت: أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عني. قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وظننت: أني أذكره، فإذا هو يذكرني قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾. وظننت: أني أتوب إليه، فإذا هو قد تاب عليّ. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.
﴿ذلِكَ﴾ أي: المذكور من الجزاء، والرضوان. ﴿لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أي: خاف ربه، فتناهى عن المعاصي، فإن الخشية ملاك الأمر، والباعث على كل خير. هذا؛ والخشية: خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، وهو المراد منه بخشية عباد الله المؤمنين المتكررة في القرآن الكريم، والفعل: خشي، يخشى: والمصدر: خشية، والرجل خشيان، والمرأة خشيا، وهذا المكان أخشى من ذلك؛ أي: أشد خوفا. هذا؛ وقد يأتي الفعل خشي بمعنى: علم القلبية. قال الشاعر المسلم: [الكامل]
ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى... سكن الجنان مع النبيّ محمّد
(قالوا): معناه: علمت. وقوله تعالى في سورة (الكهف) رقم [٨١]: ﴿فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً﴾. قال الأخفش: معناه: كرهنا. والله أعلم.
خاتمة:
عن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بخير البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلّما كانت هيعة؛ استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشرّ البرية؟». قالوا: بلى يا رسول الله! قال:
«الذي يسأل بالله، ولا يعطي به». أخرجه أحمد.
الإعراب: ﴿جَزاؤُهُمْ:﴾ مبتدأ، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿عِنْدَ:﴾ ظرف مكان متعلق بالمصدر ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ وقيل: متعلق بمحذوف حال منه، وكثير من النحويين لا يجيزون مجيء
Juz 10, hlm. 687 ›
الحال من المبتدأ، انظر ما ذكرته في الآية رقم [٥٣] من سورة (النحل)، و ﴿عِنْدَ﴾ مضاف، و ﴿رَبِّهِمْ﴾ مضاف إليه، والهاء في محل جر بالإضافة؛ من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿جَنّاتُ:﴾ خبر المبتدأ، وهو مضاف، و ﴿عَدْنٍ﴾ مضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل.
﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾ متعلقان بما قبلهما و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب حال من ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال عامله محذوف، التقدير: دخلوها، أو أعطوها خالدين، وفاعله مستتر فيه. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا.
﴿رَضِيَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿عَنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما.
والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها، وأجيز اعتبارها خبرا ثانيا للمبتدأ، وحالا من الضمير المجرور محلا بالإضافة وقد قبلها مقدرة. والتي بعدها معطوفة عليها لا محل لها مثلها.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، لا محل له. ﴿لِمَنْ:﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل له. ﴿خَشِيَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (من) وهو العائد. ﴿رَبَّهُ:﴾
مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، وأجل، وأكرم.
وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
انتهت سورة (البينة) شرحا، وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
Juz 10, hlm. 688 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.