تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
هذا؛ و (يجد) ماضيه: وجد، والمضارع أصله: يوجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما الياء والكسرة في مضارع الغائب، وتحذف من مضارع المتكلم والمخاطب قياسا عليه، والمصدر: وجد، أما (عائل) فأصله: عايل؛ لأن الفعل أجوف يائي: عيل، يعيل، فقل في إعلاله: قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، ولم يعتدّ بالألف الزائدة، لكونها حاجزا غير حصين، فالتقى ساكنان: الألف الزائدة، والألف المنقلبة، فأبدلت الثانية منهما همزة، وقل مثله في: قائل وشبهه فإن أصله: قاول فإن فعله أجوف واوي.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وتقرير. انظر شرح: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ الآتي. (لم): حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَجِدْكَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لم)، والفاعل مستتر تقديره: «هو» يعود إلى ﴿رَبُّكَ،﴾ والكاف مفعول به أول. ﴿يَتِيماً:﴾ مفعول به ثان، وقال الزمخشري: حال من الكاف على تأويل ﴿يَجِدْكَ﴾ ب: «يخلقك»، والجملة الفعلية مستأنفة، لا محل لها. ﴿فَآوى:﴾ الفاء: حرف عطف. (آوى): فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿رَبُّكَ﴾ أيضا، والمفعول محذوف لمناسبة رؤوس الآي، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ:﴾ ماض، وفاعله مستتر، ومفعولاه، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. وإعراب ما بعدها لا خفاء فيه إن شاء الله تعالى.
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾
الشرح: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ:﴾ قال مجاهد: لا تحتقر اليتيم، فقد كنت يتيما مثله. وقال الفراء: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، كما كانت العرب تفعل في أموال اليتامى، تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم. انتهى. وكانوا يقولون: كيف نورث أموالنا من لم يدفع عن حمانا، ويحمي نساءنا، وأطفالنا؟! ولذا كانوا لا يورثون النساء، والمعنى: كما كنت يتيما فآواك الله، وأحسن إليك بأن كفلك لعمك أبي طالب، فلا تقهر اليتيم؛ أي: لا تذله، وتنهره، وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به. وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم. لذا كان ﷺ يرفق باليتامى، ويعطف عليهم، ويحث على إكرامهم. وخذ ما يلي: فعن أبي هريرة-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كافل اليتيم له، أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة...». وأشار مالك بالسّبّابة والوسطى. رواه مسلم. وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه». رواه ابن ماجه. وعنه أيضا: أن رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين». رواه الإمام أحمد، وعن أبي أمامة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «من مسح على رأس يتيم، لم يمسحه إلاّ لله؛ كان له في كلّ شعرة مرت عليها يده حسنات، ومن
Juz 10, hlm. 639 ›
أحسن إلى يتيمة، أو يتيم عنده، كنت أنا وهو في الجنة كهاتين». وفرق بين أصبعيه: السبابة والوسطى. رواه الإمام أحمد.
ولم يفته ﷺ أن رغب المرأة المتوفى عنها زوجها أن تقعد على يتاماها، ووعدها، وبشرها بالثواب العميم، والأجر الكبير. وخذ ما يلي: فعن عوف بن مالك الأشجعي-﵁:
أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وامرأة سفعاء الخدّين كهاتين يوم القيامة-وأومأ بيده يزيد بن زريع بالوسطى، والسبابة-امرأة آمت من زوجها، ذات منصب وجمال، فحبست نفسها على يتاماها؛ حتى باتوا، أو ماتوا». رواه أبو داود.
وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أول من يفتح باب الجنة، إلاّ أني أرى امرأة تبادرني، فأقول لها: مالك؟ ومن أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على أيتام لي». رواه أبو يعلى، وأما أكل مال اليتيم بغير حق؛ فقد صرحت بعقوبته آية النساء رقم [١٠].
﴿وَأَمَّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ أي: لا تزجره، ولكن ردّه ببذل اليسير، أو قول جميل. قال تعالى في سورة (البقرة) رقم [٢٦٣]: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً﴾. وروي عن أبي هريرة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعنّ أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين من ذهب». القلب بضم وسكون: السوار. وقال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السّؤّال يحملون زادنا إلى الآخرة. وقال إبراهيم النخعي: السائل بريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم، فيقول: هل تبعثون إلى أهليكم بشيء؟
وقيل: السائل هو طالب العلم، فيجب إكرامه، وإنصافه بمطلوبه، ولا يعبس في وجهه، ولا ينهر، ولا يتلقى بمكروه، وكان أبو الدرداء-﵁-ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه لهم، ويقول: مرحبا بأحبة رسول الله ﷺ.
﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي: انشر ما أنعم الله عليك بالشكر، والثناء. والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر. والخطاب للنبي ﷺ، والحكم عام له، ولغيره. وعن الحسن بن علي ﵄-قال: (إذا أصبت خيرا، أو علمت خيرا؛ فحدّث به الثقة من إخوانك). وقال بكر بن عبد الله المزني-﵁. قال النبي ﷺ: «من أعطي خيرا، فلم ير عليه؛ سمّي:
بغيض الله، معاديا لنعم الله». وروى الشعبي عن النعمان بن بشير-﵄. قال: قال النبي ﷺ: «من لم يشكر القليل؛ لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس؛ لم يشكر الله، والتحدّث بالنعم شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب». رواه البغوي بإسناد الثعلبي. وعن جابر بن عبد الله-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من أعطي عطاء فليجز به؛ إن وجد، فإن لم يجد؛ فليثن عليه، فإنّ من أثنى عليه؛ فقد شكره، ومن كتمه؛ فقد كفره، ومن تحلّى بما لم يعط؛ كان كلابس ثوبي زور». أخرجه الترمذي، وروى النسائي عن
Juz 10, hlm. 640 ›
مالك بن نضلة الجشمي-﵁-قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ، فرآني رثّ الثياب، فقال: «ألك مال؟». قلت: نعم يا رسول الله، من كلّ المال. قال: «إذا آتاك الله مالا؛ فلير أثره عليك». وروى أبو سعيد الخدري-﵁-عن رسول الله ﷺ: أنه قال: «إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده». ولا تنس المقابلة بين هذه الآيات، والتي قبلها، وهي من المحسنات البديعية.
الإعراب: ﴿فَأَمَّا:﴾ الفاء: حرف تفريع، واستئناف. أو هي الفاء الفصيحة. (أما): انظر الآية رقم [١٥] من سورة (الفجر)، والتقدير هنا: مهما يكن من شيء، فلا تقهر اليتيم، ولا تنهر السائل. ﴿الْيَتِيمَ:﴾ مفعول به مقدم، عامله ما بعده، وبه استدل ابن مالك على أنه لا يلزم من تقديم المعمول تقديم العامل، ألا ترى: أن اليتيم منصوب بالمجزوم، وقد تقدم على الجازم، ولو قدمت (تقهر) على (لا)، لامتنع؛ لأن المجزوم لا يتقدم على جازمه، كالمجرور لا يتقدم على جارّه. وانظر ما ذكرته في سورة (هود) رقم [٨] وهي قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ ولا تمنع الفاء هنا من التقديم؛ لأنها كالزائدة. ﴿فَلا:﴾ الفاء: واقعة في جواب أما. (لا): ناهية. ﴿تَقْهَرْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب (أمّا)، لا محل لها، و (أمّا) ومدخولها كلام مفرع عما قبله، ومستأنف، لا محل له، وعلى اعتبار الفاء فصيحة فهو جواب لشرط مقدر، التقدير: وإذا حصل لك ما تقدم؛ فأما اليتيم... إلخ. والكلام بعده معطوف عليه. وإعرابه مثله بلا فارق. ﴿بِنِعْمَةِ:﴾
متعلقان بما بعدهما، و (نعمة) مضاف، و ﴿رَبِّكَ﴾ مضاف إليه من إضافة المصدر لفاعله. والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه.
انتهت سورة (الضحى) شرحا، وإعرابا.
والحمد لله رب العالمين.
Juz 10, hlm. 641 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.