والجملة الفعلية بعدها صلتها، أو صفتها، والعائد أو الرابط محذوف؛ إذ التقدير: أخلفوا الذي، أو شيئا وعدوه به. وأجاز الجمل اعتبار ﴿بِما﴾ مصدرية، وقدر: بسبب إخلافهم الله الوعد، فيبقى (وعد): بلا مفعول ثان، و ﴿بِما﴾ المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، التقدير: بسبب إخلافهم الله... إلخ. والجار والمجرور متعلقان بالفعل (أعقب)، وساغ تعدد المتعلق، لاختلاف الجار، وإعراب: ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ مثل إعراب: ﴿بِما أَخْلَفُوا﴾ بلا فارق. تأمل، وتدبر، وربك أعلم، أجل، وأكرم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾
الشرح: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ..﴾. إلخ أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون: أن الله يعلم ما تنطوي عليه صدورهم من النفاق، ويعلم ما يتناجون به فيما بينهم، والمعنى: يعلم الله جميع أحوالهم لا يخفى عليه شيء منها، هذا؛ والنجوى هو الخفي من الكلام يكون بين القوم، وانظر (العلم) والمعرفة في الآية رقم [٦١] الأنفال، ﴿عَلاّمُ﴾: صيغة مبالغة، ﴿الْغُيُوبِ﴾: جمع غيب، وهو كل ما غاب عن أعين المخلوقات، وفي الآية توبيخ، وتقريع للمنافقين الذين يعدون، ولا يوفون، ويعهدون، وينقضون، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: حرف استفهام إنكاري. (لم): حرف نفي وقلب وجزم. ﴿يَعْلَمُوا﴾:
مضارع مجزوم ب (لم)، وعلامة جزمه حذف النون... إلخ، والواو فاعله، والألف للتفريق، ﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، ﴿اللهَ﴾: اسمها، ﴿يَعْلَمُ﴾: مضارع، والفاعل يعود إلى ﴿اللهَ﴾.
﴿سِرَّهُمْ﴾: مفعول به، والهاء في محل جر بالإضافة، واكتفى الفعل بمفعول واحد؛ لأنه من المعرفة. ﴿وَنَجْواهُمْ﴾: معطوف على ما قبله منصوب مثله، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على الألف للتعذر، والهاء: في محل جر بالإضافة، وجملة: ﴿يَعْلَمُ..﴾. إلخ، في محل رفع خبر (أن)، و (أن) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب سد مسد مفعول، أو مفعولي ﴿يَعْلَمُوا﴾ على اعتباره من المعرفة، أو من العلم، والمصدر المؤول من ﴿وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ﴾ معطوف على ما قبله، و ﴿عَلاّمُ﴾: مضاف، و ﴿الْغُيُوبِ﴾: مضاف إليه، من إضافة مبالغة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله ضمير مستتر فيه، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾
الشرح: ﴿يَلْمِزُونَ﴾: يعيبون، وانظر الآية رقم [٥٩]، ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: أصله المتطوعين، أدغمت التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، والتطوع: التبرع بالشيء، وهو ما ليس بفرض،
Juz 4, hlm. 199 ›
ومنه تطوع الصيام، والحج، والصلاة. ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي: التبرع في المال. ﴿لا يَجِدُونَ﴾:
انظر إعلاله في الآية رقم [١٧] (الأعراف). ﴿إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾: إلا قدرتهم وطاقتهم. وهو بضم الجيم، وهي لغة أهل الحجاز، وبالفتح لغيرهم. وقيل: بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة، وانظر الآية رقم [١٠٩] (الأنعام). ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾: يسخروا: يهزأ المنافقون من المؤمنين المتصدقين.
﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾: عاقبهم الله وجازاهم على سخريتهم، وذكر لفظ ﴿سَخِرَ﴾ مشاكلة لما صدر منهم، وانظر الآية رقم [٦٨]، ﴿عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: انظر الآية رقم [٤٠].
تنبيه: روي: أن النبي ﷺ حث على الصدقة في غزوة تبوك، أي: وقت الخروج لها، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله، مالي ثمانية آلاف درهم، جئتك بأربعة آلاف، فاجعلها في سبيل الله، وأمسكت أربعة آلاف لعيالي، فقال له: «بارك الله لك فيما أعطيت، وفيما أمسكت» فبارك الله له في ماله، حتى إنه خلف امرأتين يوم مات، فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وتصدق عاصم بن عدي العجلاني يومئذ بمائة وسق من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجر بالجرير الماء، حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما لعيالي، وأتيتك بالآخر، فأمر الرسول ﷺ أن ينثره في الصدقات، ﵃ وأرضاهم أجمعين، فلمزهم المنافقون، فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء، وإن الله ورسوله لغنيان عن صاع أبي عقيل، ولكن أحب أن يذكر نفسه ليعطى من الصدقة، فأنزل الله ﵎ الآية الكريمة، هذا؛ وسخر بمعنى: هزئ، وانظر الآية رقم [٦٥].
الإعراب: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، خبره جملة:
﴿سَخِرَ..﴾. إلخ أو في محل نصب على الذم بفعل محذوف، أو في محل جر بدل من الضمير المتصل ب ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ وقيل: في محل رفع خبر المبتدأ محذوف، التقدير: هم الذين، وهو أضعفها، وأقواها الأول. ﴿يَلْمِزُونَ﴾: مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله، ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾: مفعول به منصوب... إلخ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر ب ﴿الْمُطَّوِّعِينَ،﴾ وقيل: متعلقان بمحذوف حال منه، والأول أقوى. ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾: متعلقان بالفعل ﴿يَلْمِزُونَ،﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب معطوف على ﴿الْمُطَّوِّعِينَ،﴾ وجملة: ﴿لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ صلة الموصول لا محل لها، وجملة: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ معطوفة على جملة:
﴿يَلْمِزُونَ﴾ لا محل لها مثلها، وجوز أبو البقاء اعتبارها خبرا للمبتدإ (الذين) على وجه مر ذكره، ولا وجه له، وإنما الخبر جملة: ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ وهي مستأنفة على الأوجه الأخر فيه، والجملة الاسمية: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ معطوفة على الجملة الفعلية قبلها على الوجهين المعتبرين فيها.
Juz 4, hlm. 200 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.