الدامغات، والبراهين الساطعات. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: هو مثل الآية السابقة وفيهما تغليب الرجال على النساء؛ إذ ما من شك: أن في النساء كافرات ومشركات، وهذا شيء معلوم لا ينكره مسلم، فامرأة أبي لهب كانت أضل من كثير من الرجال، وامرأة نوح وامرأة لوط كانتا أخبث وأضل، وانظر العكس في الآية [٤٥]. هذا؛ وقد قال البيضاوي، الآية الكريمة كالبيان لما تقدم، ولذلك كرر: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ غير أنه وضع ﴿الْمُشْرِكُونَ﴾ موضع ﴿الْكافِرُونَ﴾ للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الشرك بالله، والضمير في ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ للدين الحق، أو للرسول ﵊، واللام في ﴿الدِّينِ﴾ للجنس، أي: على سائر الأديان فينسخها، أو على أهلها فيخذلهم.
تنبيه: قال أبو هريرة والضحاك: هذا، أي: ما ذكر في الآية الكريمة عند نزول عيسى ﵇، وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، ولا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام، وأيد ذلك القرطبي، والصواب ما ذكرته في الآية السابقة.
الإعراب: ﴿هُوَ﴾: ضمير رفع منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، وجملة: ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ صلة الموصول لا محل لها. ﴿بِالْهُدى﴾: متعلقان بمحذوف حال من: ﴿رَسُولَهُ،﴾ أي: مقرونا، أو ملتبسا بالهدى، وعلامة الجر كسرة مقدرة على الألف للتعذر. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: معطوف على (الهدى)، والإضافة من إضافة الموصوف للصفة. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾: مضارع منصوب ب «أن» مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء: مفعول به، و «أن» المضمرة والمضارع في تأويل مصدر في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿عَلَى الدِّينِ﴾: متعلقان بالفعل قبلهما. ﴿كُلِّهِ﴾: توكيد ل ﴿الدِّينِ؛﴾ لأنه بمعنى جميع الأديان، والهاء في محل جر بالإضافة ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ انظر إعراب مثلها في الآية السابقة، والجمل الاسمية: ﴿هُوَ الَّذِي..﴾.
إلخ مستأنفة لا محل لها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾
الشرح: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نادى الله المؤمنين خاصة، ولفت أنظارهم إلى ذلك؛ لأنهم هم الذين ينتبهون، فينتفعون بذلك. ﴿الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ﴾: انظر الآية رقم [٣٢]. ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾: يأخذونها بالرشى في الأحكام، سمي أخذ المال أكلا لأنه الغرض الأعظم منه، وانظر: ﴿أَمْوالَ﴾ في الآية رقم [٢٨] الأنفال. و ﴿النّاسِ﴾: في الآية رقم [٨٢] (الأعراف).
Juz 4, hlm. 140 ›
و ﴿بِالْباطِلِ﴾: في الآية رقم [١٣٩] (الأعراف)، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾: لقد اختلف في المراد بهؤلاء، فقال معاوية: هم الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به، وقال ابن عباس ﵄: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين؛ وذلك: أنه ﷾ لما ذكر قبح طريقة الأحبار والرهبان، في الحرص، على أخذ الأموال بالباطل؛ حذر المسلمين من ذلك، وذكر وعيد من جمع المال، ومنع حقوق الله فيه.
وقال أبو ذر الغفاري ﵁: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين، وكان الاختلاف في تفسير هذه الآية بين معاوية وأبي ذر سببا في إبعاد أبي ذر عن المدينة، إلى الرّبذة. ﴿وَلا يُنْفِقُونَها﴾: لم يعد الضمير مثنى على الذهب والفضة، وفي ذلك أجوبة: الأول: قصد الأغلب والأعم، وهي الفضة، قاله ابن الأنباري، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها﴾ فأعاد الضمير للصلاة وللتجارة، فالصلاة أعم، والتجارة أهم-الثاني: أن الضمير للكنوز-الثالث: أن الضمير للأموال-الرابع:
الاكتفاء بضمير الواحد عن ضمير الآخر، إذا فهم المعنى، قال ابن أحمر: [الطويل]
رماني بأمر كنت منه ووالدي... بريئا، ومن أجل الطويّ رماني
لم يقل: بريئين، والطوي: البئر. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾: انظر مثل هذه البشارة في الآية رقم [٤] وقد فسر النبي ﷺ البشارة في هذا العذاب بقوله: «بشّر الكنّازين برضف يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم؛ حتى يخرج من نغض كتفيه، ويوضع على نغض كتفيه؛ حتى يخرج من حلمة ثدييه، فيتزلزل». أخرجه مسلم عن أبي ذر ﵁. الرضف، والحجارة، والنغض بفتح النون وضمها: أعلى الكتف، قال العلماء: فخروج الرضف من حلمة ثديه إلى نغض كتفه؛ لتعذيب قلبه، وباطنه حين امتلأ بالفرح بكثرة المال والسرور في الدنيا، فعوقب بالهم والعذاب في الآخرة. انتهى. قرطبي. هذا؛ والنغض بسكون الغين وبفتح النون وضمها.
روى أبو داود عن ابن عباس-﵄-قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق، فقال: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم». قال: فكبّر عمر ﵁، ثم قال له رسول الله ﷺ: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء، المرأة الصالحة، إذا نظر إليها؛ سرّته، وإذا أمرها؛ أطاعته، وإذا غاب عنها؛ حفظته». وروى الترمذي وغيره عن ثوبان ﵁ أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: قد ذم الله سبحانه الذهب والفضة، فلو علمنا أي: المال خير حتى نكتسبه، فقال عمر ﵁: أنا أسأل لكم رسول الله ﷺ فسأله، فقال: «لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة تعين المرء على دينه». وانظر ما ذكرته في الآية رقم [١٨٠] من سورة (آل عمران).
Juz 4, hlm. 141 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.