تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
سورة الفجر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة (الفجر) مكية، وهي تسع وعشرون. وقيل: ثلاثون آية، ومئة وتسع وثلاثون كلمة، وخمسمئة وسبعة وتسعون حرفا. انتهى. خازن.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)﴾
الشرح: ﴿وَالْفَجْرِ..﴾. إلخ: أقسم الله ﷿ بالفجر وما بعده لشرف هذه الأشياء، وما فيها من الفوائد الدينية، وهي أنها دلائل باهرة، وبراهين قاطعة على التوحيد، وفيها من الفوائد الدنيوية: أنها تبعث على الشكر. وانظر ما ذكرته بشأن هذا القسم في أول سورة (المرسلات) و (الذاريات) تجد ما يسرك.
واختلفوا في معاني هذه الألفاظ، فروي عن ابن عباس-﵄-أنه قال:
(الفجر) هو انفجار الصبح في كل يوم، أقسم الله تعالى به لما يحصل فيه من انقضاء الليل، وظهور الضوء، وانتشار الناس، وسائر الحيوانات في طلب الأرزاق، وذلك يشبه نشر الموتى من قبورهم للبعث والحساب، والجزاء. قال تعالى في سورة (التكوير) رقم [١٨]: ﴿وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾. وعن ابن عباس أيضا: أنه صلاة الفجر، والمعنى: أنه أقسم بصلاة الفجر؛ لأنها مفتتح النهار، ولأنها مشهودة، يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. قال تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ سورة (الإسراء) رقم [٧٨]. وقيل: إنه فجر معين، واختلفوا فيه، فقيل: هو فجر أول يوم من المحرّم؛ لأنه منه تنفجر السنة. وقيل: هو فجر ذي الحجة؛ لأنه قرن به الليالي العشر.
وقيل: هو فجر يوم النحر؛ لأن فيه أكثر مناسك الحج، وفيه القربات المتنوعة.
﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ:﴾ قيل: إنما نكرها لما فيها من الفضل، والشرف؛ الذي لا يحصل في غيرها.
واختلف فيها، فقد روي عن ابن عباس-﵄: أنها العشر الأول من ذي الحجة؛ لأنها أيام الاشتغال بأعمال الحج. وأخرج الترمذي عن ابن عباس-﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من أيّام العمل فيهنّ أحبّ إلى الله من عشر ذي الحجة». قالوا: ولا الجهاد يا رسول الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه، وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء». ورواه البخاري أيضا عن ابن عباس مرفوعا. وروي عن ابن عباس أيضا؛
Juz 10, hlm. 569 ›
قال: هي العشر الأواخر من رمضان؛ لأن فيها ليلة القدر، ولأن رسول الله ﷺ كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان أحيا ليله، وشد مئزره، وأيقظ أهله للعبادة. وقيل: هي العشر الأول من المحرم، وهو تنبيه على شرفه، ولأن فيه يوم عاشوراء. وهو أضعفها. وأقواها الأول.
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ:﴾ الشفع: الاثنان، والوتر: الفرد. واختلف في ذلك أيضا؛ قيل: الشفع: هو الخلق، والوتر: هو الله تعالى. يروى ذلك عن أبي سعيد الخدري-﵁. وقيل:
الشفع: هو الخلق كالإيمان، والكفر. والهدى، والضلالة. والسعادة، والشقاوة. والليل، والنهار. والأرض، والسماء. والشمس، والقمر. والبر، والبحر. والنور، والظلمة. والجنّ، والإنس. والوتر: هو الله تعالى. وقيل: الخلق كله فيه شفع، وفيه وتر. وقيل: الصلوات الخمس منها شفع، ومنها وتر. عن عمران بن حصين-﵁-أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع، والوتر، فقال: «هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر». أخرجه الترمذي. وقال: حديث غريب. وعن ابن عباس-﵄-قال: «الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب».
وقال أبو بكر الوراق: الشفع تضاد أوصاف المخلوقين: العز، والذل. والقدرة، والعجز.
والقوة، والضعف. والعلم، والجهل. والحياة، والموت. والبصر، والعمى. والسمع، والصمم. والكلام، والخرس. والوتر: انفراد صفات الله تعالى: عزّ بلا ذل، وقدرة بلا عجز.
وقوة بلا ضعف. وعلم بلا جهل. وحياة بلا موت. وبصر بلا عمى. وكلام بلا خرس. وسمع بلا صمم. وما وازاها. وقال الحسين بن الفضيل: الشفع: درجات الجنة، وهي ثمان، والوتر:
دركات النار، وهي سبع، فكأنه أقسم بالجنة، والنار. وقيل: غير ذلك.
وقال أبو حيان-رحمه الله تعالى-: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ ذكر في كتاب التحرير، والتحبير فيهما ستة وثلاثين قولا ضجرنا قراءتها فضلا عن كتابتها في كتابنا هذا. وقال الزمخشري: وقد أكثروا في الشفع، والوتر؛ حتى كادوا يستوعبون معظم ما يقعان فيه، وذلك قليل الطائل، جدير بالتلهي عنه. هذا؛ ويجمع الشفع على: أشفاع، وشفاع، ويجمع الوتر على: أوتار. هذا؛ ويقرأ (الوتر) بفتح الواو، وكسرها لغتان كالحبر والحبر. والفتح لغة قريش، ومن والاها، والكسر لغة تميم.
ولا تنس الطباق بين (الشفع) و (الوتر)، وهو من المحسنات البديعية.
﴿وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ:﴾ هذا قسم خامس، بعد أن أقسم الله بالليالي العشر على الخصوص، أقسم الله بالليل على العموم. ومعنى: يسري؛ أي: يسرى فيه، كما يقال: ليل قائم، ونهار صائم. قال جرير: [الطويل]
لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السّرى... ونمت وما ليل المطيّ بنائم
ومنه قوله تعالى في سورة (سبأ) رقم [٣٣]: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ انظر شرحها هناك؛ فإنه جيد. وهذا قول أكثر أهل المعاني، وهو قول القتبي، والأخفش، فهو مجاز في الإسناد،
Juz 10, hlm. 570 ›
بإسناد ما للشيء للزمان، كما يسند للمكان فيقال: نهر جار، والظاهر: أنه مجاز مرسل، أو استعارة. وقال أكثر المفسرين: معنى يسري: سار، وذهب، مثل قوله تعالى في سورة (المدثر):
﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ،﴾ وفي سورة (التكوير): ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾. واختلف في (الليل) أيضا. قيل: هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله. وقيل: ليلة القدر لسراية الرحمة فيها، واختصاصها بزيادة الثواب فيها، وأقول من جهتي: لعلها ليلة الجمعة، ولعلها ليلة المولد النبوي الشريف. وقيل: أراد عموم الليل كله.
هذا؛ وأسرى فيه لغتان: سرى، وأسرى، وقرئ في (الدخان)، و (الشعراء) بقطع الهمزة ووصلها، فالأول من الرباعي، والثاني من الثلاثي، وقد جمع حسان بن ثابت-﵁ بين اللغتين في بيت واحد؛ حيث قال: [الكامل]
حيّ النّضيرة ربّة الخدر... أسرت إليك ولم تكن تسري
وسرى، وأسرى بمعنى واحد، وهو قول أبي عبيد، والثانية لغة أهل الحجاز، وبها جاء القرآن الكريم في كثير من الآيات، وهما بمعنى: سار الليل عامته. وقيل: «سرى» لأول الليل و «أسرى» لآخره، وهو قول الليث، وأما سار فهو مختص بالنهار، وليس مقلوبا من: «سرى»، فهو بمعنى: مشى. هذا؛ والسّرى، والإسراء: السير في الليل، يقال: سرى، يسري سرى، ومسرى، وسرية، وسراية. وأسرى إسراء. هذا؛ والسرى يذكر، ويؤنث، ولم يحك اللحياني فيه إلا التأنيث، وكأنهم جعلوه جمع: سرية.
هذا؛ وحذفت الياء من آخر (يسري)؛ لأنه رأس آية، وقرئ بإثباتها في الوصل، كما قرئ بإثبات الياء في الوصل، والوقف على الأصل؛ لأنها ليست بمجزومة. قال الخليل: تسقط الياء منها اتفاقا لرؤوس الآي. قال الفراء: قد تحذف العرب الياء، وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد لبعضهم: [الرجز]
كفّاك كفّ ما تليق درهما... جودا وأخرى تعط بالسّيف الدّما
الإعراب: ﴿وَالْفَجْرِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره أقسم. وانظر ما ذكرته في سورة (المرسلات) و (الذاريات) بشأن المقسم به، وسأعيده في أول سورة (الشمس) الآتية إن شاء الله تعالى. ﴿وَلَيالٍ:﴾ الواو: حرف عطف. (ليال): معطوف على (الفجر) مجرور مثله، وعلامة جره فتحة مقدرة على الياء المحذوفة نيابة عن الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لصيغة منتهى الجموع؛ إذ الأصل: وليالي، فحذفت الياء للتخفيف، لا للإعلال، وإنما قدرت الفتحة مع خفتها لنيابتها عن الكسرة، ونائب الثقيل ثقيل. انتهى. ملخصا من مغني اللبيب. ﴿عَشْرٍ:﴾
صفة (ليال). ﴿وَالشَّفْعِ،﴾ ﴿وَالْوَتْرِ،﴾ ﴿وَاللَّيْلِ:﴾ هذه الأسماء معطوفة على (الفجر). ﴿إِذا:﴾
ظرف مجرد عن الشرطية مبني على السكون في محل نصب، وفي عامله أوجه، وعلى كل واحد
Juz 10, hlm. 571 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.