التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
أمارات القيامة والجزاء على العمل وتوبيخ الإنسان
على جحود النعم
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾
الإعراب:
﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿السَّماءُ﴾ فاعل لفعل مقدر يفسره ﴿اِنْفَطَرَتْ﴾؛ لأن ﴿إِذَا﴾ لا تدخل إلا على الفعل.
﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ ﴿ما﴾: استفهامية في موضع رفع، مبتدأ، و ﴿غَرَّكَ﴾: خبره.
﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾: ﴿ما﴾: إما زائدة لتفخيم المعنى وتعظيمه، و ﴿فِي﴾ تتعلق ب ﴿رَكَّبَكَ﴾ أي ركّبك في أى صورة شاء، فحذف: ما، أو شرطية، و ﴿شاءَ﴾: فعل الشرط المجزوم ب ﴿ما﴾، و ﴿رَكَّبَكَ﴾: جواب الشرط، و ﴿فِي﴾ حينئذ متعلقة بعامل مقدر؛ لأن ما بعد حرف الشرط لا يعمل فيما قبله، وتقديره: كوّنك في أي صورة. ولا يكون متعلقا ب «عدلك»؛ لأن الاستفهام لا يتعلق بما قبله.
البلاغة:
﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ سجع مرصّع.
﴿وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ استعارة مكنية، شبّه الكواكب بجواهر متناثرة متفرقة، وحذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه، وهو الانتثار على طريق الاستعارة المكنية.
﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ استفهام يراد به التوبيخ والإنكار.
Juz 30, hlm. 97 ›
المفردات اللغوية:
﴿اِنْفَطَرَتْ﴾ انشقت. ﴿اِنْتَثَرَتْ﴾ تساقطت متفرقة. ﴿فُجِّرَتْ﴾ شقّقت جوانبها، فصارت بحرا واحدا. ﴿بُعْثِرَتْ﴾ قلب ترابها الذي وضع على موتاها، وبعث موتاها. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ وما عطف عليها، أي علمت نفس وقت حدوث هذه الأمور، وهو يوم القيامة ما قدمت من الأعمال، وما أخرت منها فلم تعمله بسبب الكسل.
﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾ جنس الإنسان. ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ ما خدعك وأي شيء جرّأك على عصيانه، و ﴿الْكَرِيمِ﴾ العلي العظيم، وذكر للمبالغة في المنع عن الاغترار. ﴿فَسَوّاكَ﴾ جعل أعضاءك سوية سليمة معدّة لمنافعها. ﴿فَعَدَلَكَ﴾ جعلك معتدلا متناسب الخلق والأعضاء، فلا تجد تنافرا بينها ولا عيبا فيها، فليست يد أو رجل أطول من الأخرى. ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي ركّبك وكوّنك في أي صورة هي من أعجب الصور وأحكمها.
سبب النزول:
نزول الآية (٦):
﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ.﴾. الآية قال: نزلت في أبيّ بن خلف. وقيل: نزلت في أبي الأشدّ بن كلدة الجمحيّ، وقال ابن عباس: الإنسان هنا الوليد بن المغيرة.
وروى غالب الحنفي قال: لما قرأ رسول الله ﷺ: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ قال: «غرّه الجهل».
التفسير والبيان:
﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي إذا انشقت السماء، كما قال تعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل ١٨/ ٧٢]، وقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ﴾ [الفرقان ٢٥/ ٢٥]، وقال ﷿: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ
Juz 30, hlm. 98 ›
السَّماءُ، فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن ٣٧/ ٥٥]، وقال عزّ من قائل: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ، فَكانَتْ أَبْواباً﴾ [النبأ ١٩/ ٧٨].
وإذا تساقطت الكواكب وتفرقت، وذلك بعد تشقق السماء.
﴿وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي فجّر الله بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا، ثم تسجّر أي توقد فتصير نارا تضطرم، كما قال تعالى:
﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير ٦/ ٨١].
وإذا قلب تراب القبور، وأخرج موتاها، وصار باطنها ظاهرها.
وإذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة، فهناك يحصل الحشر والنشر، وبما أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، فإنه يلاحظ الترتيب، فيبدأ أولا بتخريب السماء التي هي كالسقف، ويلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم يخرب ما على وجه الأرض التي هي كالبناء، وهو تفجير البحار، ثم تقلب الأرض ظهرا لبطن، وبطنا لظهر، وهو بعثرة القبور.
وجواب الشرط قوله تعالى:
﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أي إذا حدثت الأمور المتقدمة، علمت كل نفس عند نشر الصحف ما قدمت من عمل خير أو شر، وما أخّرت من الأعمال بسبب التكاسل والإهمال، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥].
وبما أن المراد بهذه الأمور يوم القيامة، فيكون المقصود بالآية الأخيرة في الأصح الزجر عن المعصية، والترغيب في الطاعة.
Juz 30, hlm. 99 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.