تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
تفسير سورة عبس وهي مكية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾
ذكر غيرُ واحدٍ من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يومًا يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم -وكان ممن أسلم قديمًا- فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلح عليه، ووَدّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك؛ ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعًا ورغبة في هدايته؛ وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (ض ٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي: يحصل له زكاة [¬١] وطهارة في نفسه، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، أي: أما الغنيّ فأنت تتعرض له لعله يهتدي ﴿وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة [¬٢]. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾، أي: تتشاغل. ومن ها هنا أمر الله ﷿ رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدًا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة [¬٣]، والحجة الدامغة [¬٤].
قال الحافظ أبو يعلى في مسنده (¬١): حدثنا محمد -هو ابن مهدي- حدثنا عبد الرزاق،
Juz 14, hlm. 246 ›
أخبرنا معمر، عن قتادة عن أنس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يكرمه.
وقال قتادة: وأخبرني أنس بن مالك؛ قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء، يعني ابن أم مكتوم.
وقال أبو يعلى (¬٢) وابن جرير (¬٣): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة [مما عرضه [¬١] عليه عن عروة، عن عائشة؛ قالت: أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني -قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين- قالت: فجعل النبي ﷺ يُعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأسًا؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
وقد روى الترمذي (¬٤) هذا الحديثَ، عن سعيد بن يحيى الأموي، بإسناده مثله، ثم قال: "وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: أنزلَت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة". قلت: كذلك هو في الموطأ.
ثم روى ابن جرير (¬٥) وابن أبي حاتم أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبَة بن ربيعة، وأبا جهل بنَ هشام، والعباس بن عبد المطلب -وكان يتصدى لهم كثيرًا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا -فأقبل إليه رجل أعمى- يقال له عبد الله بن أم مكتوم- يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله؛ علّمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وعبس في وجهه، وتولى وكره كَلامَه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسولُ الله ﷺ نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَقَ برأسه، ثم أنزل الله. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. فلما نزل فيه ما
Juz 14, hlm. 247 ›
نزل، أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه، وقال له النبي ﷺ "ما حاجتك؟ هل تريد في شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال: "هل لك حاجة في شيء؟ ". وذلك لما أنزل الله تعالى ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.
وقال ابن أبي حاتم (¬٦): حدثنا أحمد بن منصور الرّمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب؛ قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". وهو الأعمى الذي أنزل الله فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، وكان يؤذن مع بلال. قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس -حين ينظرون إلى بزوغ [¬١] الفجر-: أذن.
وهكذا ذكر عروة بن الزبير، ومجاهد، وأبو مالك، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغير واحد من السلف والخلف؛ أنها نزلت في ابن أم مكتوم. والمشهور أن اسمه عبد الله، ويقال: عمرو، والله أعلم.
وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من شريفهم ووضيعهم.
وقال قتادة والسدي: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ يعني القرآن. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، أي: فمن شاء ذكر الله في جميع أموره. ويحتمل عود الضمير على الوحي؛ لدلالة الكلام عليه.
وقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾، [أي: هذه السورة أو العظة، وكلاهما متلازم، بل جميع القرآن ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾] [¬٢]، أي: معظمة موقرة. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾، أي: عالية القدر، ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: من الدنس والزيادة والنقص.
وقوله: ﴿بِأَيدِي سَفَرَةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك وابن [¬٣] زيد: هي الملائكة.
وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ. وقال قتادة: هم القراء.
Juz 14, hlm. 248 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.