البحر المحيط في التفسير - ط الفكر
· أبو حيان الأندلسي
وَهَذَا وَعْدٌ صَرِيحٌ بِالظَّفَرِ وَالنَّصْرِ وَالْأَعْرَقُ فِي الْفَصَاحَةِ أَنْ يَكُونَ مَوْلاكُمْ خَبَرَ إِنْ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرَ إِنَّ وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ أَيِ اللَّهُ أَوْ هُوَ وَالْمَعْنَى فَثِقُوا بِمُوَالَاتِهِ وَنُصْرَتِهِ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ وَقاتِلُوهُمْ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِ أَصْنَافِ أَهْلِ الْكُفْرِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ فَإِنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِالْجِزْيَةِ وَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ سَائِرُ الْكُفَّارِ عَلَى دِينِهِمْ بِالذِّمَّةِ إِلَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى جَوَازِ إقرارها بالجزية.
[سورة الأنفال (٨) : الآيات ٤١ الى ٦٧]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لَا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٥٠)
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (٥٨) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) مَا كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)
Juz 5, hlm. 320 ›
الْقُصُوُّ الْبُعْدُ وَالْقُصْوَى تَأْنِيثُ الْأَقْصَى وَمُعْظَمُ أَهْلِ التَّصْرِيفِ فَصَّلُوا فِي الْفُعْلَى مِمَّا لَامُهُ وَاوٌ فَقَالُوا إِنْ كَانَ اسْمًا أُبْدِلَتِ الْوَاوُ يَاءً ثُمَّ يُمَثِّلُونَ بِمَا هُوَ صِفَةٌ نَحْوُ الدُّنْيَا وَالْعُلْيَا وَالْقُصْيَا وَإِنْ كَانَ صِفَةً أُقِرَّتْ نَحْوُ الْحُلْوَى تَأْنِيثُ الْأَحْلَى، وَلِهَذَا قَالُوا شَذَّ الْقُصْوَى بِالْوَاوِ وَهِيَ لُغَةُ الْحِجَازِ وَالْقُصْيَا لُغَةُ تَمِيمٍ وَذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ اسْمًا أُقِرَّتِ الْوَاوُ نَحْوُ حُزْوَى وَإِنْ كَانَ صِفَةً أُبْدِلَتْ نَحْوُ الدُّنْيَا وَالْعُلْيَا وَشَذَّ إِقْرَارُهَا نَحْوُ الْحُلْوَى وَنَصَّ عَلَى نُدُورِ الْقُصْوَى ابْنُ السِّكِّيتِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَأَمَّا الْقُصْوَى فَكَالْقَوَدِ فِي مَجِيئِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَقَدْ جَاءَ الْقُصْيَا إِلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُصْوَى أَكْثَرُ مِمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ اسْتَصْوَبَ مَعَ مَجِيءِ اسْتَصَابَ وَأُغِيلَتْ مَعَ أَغَالَتْ وَالتَّرْجِيحُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ فِي النَّحْوِ، الْبَطَرُ قَالَ الْهَرَوِيُّ:
الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: سُوءُ احْتِمَالِ الْغَيِّ، وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْحَيْرَةُ عِنْدَ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَتَكَبَّرُ عِنْدَ الْحَقِّ فَلَا يَقْبَلُهُ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ ذَهَبَ دَمُهُ بَطَرًا أَيْ بَاطِلًا، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْبَطَرُ الْأَشَرُ وَغَمْطُ النِّعْمَةِ وَالشُّغُلُ بِالْمَرَحِ فِيهَا عَنْ شُكْرِهَا، نَكَصَ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: رَجَعَ الْقَهْقَرَى هَارِبًا، وَقَالَ غَيْرُهُ:
هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الرُّجُوعِ مِنْ حَيْثُ جَاءَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
هُمْ يَضْرِبُونَ حَبِيكَ الْبِيضِ إِذْ لَحِقُوا ... لَا يَنْكُصُونَ إِذَا مَا اسْتُلْحِمُوا وَحَمُوا
وَيُقَالُ أَرَادَ أَمْرًا ثُمَّ نَكَصَ عَنْهُ. وَقَالَ تَأَبَّطَ شَرًّا:
لَيْسَ النُّكُوصُ عَلَى الْأَدْبَارِ مَكْرُمَةً ... إِنَّ الْمَكَارِمَ إِقْدَامٌ عَلَى الْأَسَلِ
لَيْسَ هُنَا قَهْقَرَى بَلْ هُوَ فِرَارٌ، وَقَالَ مُؤَرِّجٌ: نَكَصَ رَجَعَ بِلُغَةِ سُلَيْمٍ. شَرَّدَ فَرَّقَ وَطَرَّدَ وَالْمُشَرَّدُ الْمُفَرَّقُ الْمُبْعَدُ وَأَمَّا شَرَّذَ بِالذَّالِ فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرُ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ
Juz 5, hlm. 322 ›
بِالذَّالِ، التَّحْرِيضُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْحَثِّ وَحَرَّكَهُ وَحَرَّسَهُ وَحَرَّضَهُ بِمَعْنًى، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الْحَرَضِ وَهُوَ أَنْ يُنْهِكَهُ الْمَرَضُ وَيَتَبَالَغَ فِيهِ حَتَّى يُشْفِيَ عَلَى الْمَوْتِ أَوْ أَنْ يُسَمِّيَهُ حَرَضًا وَيَقُولَ لَهُ مَا أَزَالُ إِلَّا حَرِضًا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَمُمَرَّضًا فِيهِ لِيُهَيِّجَهُ وَيُحَرِّكَهُ مِنْهُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ:
الْمَعْنَى حَرِّضْ عَلَى الْقِتَالِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ فِيمَنْ تَرَكَهُ إِنَّهُ حَارِضٌ، قَالَ النَّقَّاشُ: وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ وَلَا لَازِمٍ مِنَ اللَّفْظِ وَنَحَا إِلَيْهِ الزَّجَّاجُ وَالْحَارِضُ الَّذِي هُوَ الْقَرِيبُ مِنَ الْهَلَاكِ لَفْظَةٌ مُبَايِنَةٌ لِهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْهَا فِي شَيْءٍ، أَثْخَنَتْهُ الْجِرَاحَاتُ أَثْبَتَتْهُ حَتَّى تَثْقُلَ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَأَثْخَنَهُ الْمَرَضُ أَثْقَلَهُ مِنَ الثَّخَانَةِ الَّتِي هِيَ الْغِلَظُ وَالْكَثَافَةُ وَالْإِثْخَانُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحَاتِ.
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: نزلت بدر، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ الْخُمُسُ فِي غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا أَمَرَ تَعَالَى بِقِتَالِ الْكُفَّارِ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ اقْتَضَى ذَلِكَ وَقَائِعَ وَحُرُوبًا فَذَكَرَ بَعْضَ أَحْكَامِ الْغَنَائِمِ وَكَانَ فِي ذَلِكَ تَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِغَلَبَتِهِمْ لِلْكُفَّارِ وَقَسْمُ مَا تَحَصَّلَ مِنْهُمْ مَنَ الْغَنَائِمِ، وَالْخِطَابُ فِي وَاعْلَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْغَنِيمَةُ عُرْفًا مَا يَنَالُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعَدُوِّ بِسَعْيٍ وَأَصْلُهُ الْفَوْزُ بِالشَّيْءِ يُقَالُ غَنِمَ غَنْمًا. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَدْ طَوَّفْتُ فِي الْآفَاقِ حَتَّى ... رَضِيتُ من الغنم بالإياب
وقال الآخر:
ويوم الْغُنْمِ يَوْمَ الْغُنْمِ مُطْعَمُهُ ... أَنَّى تَوَجَّهَ وَالْمَحْرُومُ مَحْرُومُ
وَالْغَنِيمَةُ وَالْفَيْءُ هَلْ هُمَا مُتَرَادِفَانِ أَوْ مُتَبَايِنَانِ قَوْلَانِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْفَيْءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا غُنِمَ يُخَمَّسُ كَائِنًا مَا كَانَ فَيَكُونُ خُمُسُهُ لِمَنْ ذَكَرَ اللَّهُ فَأَمَّا قَوْلُهُ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا نُسِبَ إِلَى اللَّهِ يُصْرَفُ فِي الطَّاعَاتِ كَالصَّدَقَةِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَعِمَارَةِ الْكَعْبَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَالَ بِذَلِكَ فِرْقَةٌ وَأَنَّهُ كَانَ الْخُمُسُ يُقَسَّمُ عَلَى سِتَّةٍ فَمَا نُسِبَ إِلَى اللَّهِ قُسِّمَ عَلَى مَنْ ذَكَرْنَا، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ سَهْمُ اللَّهِ يُصْرَفُ إِلَى رِتَاجِ الْكَعْبَةِ
وَعَنْهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذُ الْخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ قَبْضَةً فَيَجْعَلُهَا لِلْكَعْبَةِ وَهُوَ سَهْمُ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ عَلَى خَمْسَةٍ، وَقِيلَ سَهْمُ اللَّهِ لِبَيْتِ الْمَالِ
، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ قَوْلُهُ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أَعْتَقَكَ اللَّهُ وَأَعْتَقْتُكَ عَلَى جِهَةِ التَّبَرُّكِ وَتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَالدُّنْيَا، كُلُّهَا لِلَّهِ وَقِسْمُ اللَّهِ وَقِسْمُ
Juz 5, hlm. 323 ›
Pembahasan ayat ini masih 27 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.