تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير
· ابن عاشور
[سُورَة النازعات (٧٩) : الْآيَات ٣٤ إِلَى ٤١]
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨)
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١)
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ [النازعات: ٢٧] الْآيَاتِ، فَإِنَّ إِثْبَاتَ الْبَعْثِ يَقْتَضِي الْجَزَاءَ إِذْ هُوَ حِكْمَتُهُ. وَإِذَا اقْتَضَى الْجَزَاءَ كَانَ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْمَلَ لِجَزَاءِ الْحُسْنَى وَيَجْتَنِبَ مَا يُوقِعُ فِي الشَّقَاءِ وَأَنْ يَهْتَمَّ بِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ فَيُؤْثِرَهَا وَلَا يَكْتَرِثَ بِنَعِيمٍ زَائِلٍ فَيَتَوَرَّطَ فِي اتِّبَاعِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَى دَلِيلِ إِثْبَاتِ الْبَعْثِ تَذْكِيرٌ بِالْجَزَاءَيْنِ، وَإِرْشَادٌ إِلَى النَّجْدَيْنِ.
وَإِذْ قَدْ قُدِّمَ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ تَحْذِيرٌ إِجْمَالِيٌّ بِقَوْلِهِ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ [النازعات: ٦] الْآيَةَ كَمَا يُذْكَرُ الْمَطْلُوبُ قَبْلَ الْقِيَاسِ فِي الْجَدَلِ، جِيءَ عَقِبَ الِاسْتِدْلَالِ بِتَفْصِيلِ ذَلِكَ التَّحْذِيرِ مَعَ قَرْنِهِ بِالتَّبْشِيرِ لِمَنْ تَحَلَّى بِضِدِّهِ فَلِذَلِكَ عُبِّرَ عَنِ الْبَعْثِ ابْتِدَاءً بِالرَّاجِفَةِ لِأَنَّهَا مَبْدَؤُهُ، ثُمَّ بِالزَّجْرَةِ، وَأَخِيرًا بِالطَّامَّةِ الْكُبْرَى لِمَا فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ مِنْ مَعْنًى يَشْمَلُ الرَّاجِفَةَ
وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْأَهْوَالِ إِلَى أَنْ يَسْتَقِرَّ كُلُّ فَرِيقٍ فِي مَقَرِّهِ.
وَمِنْ تَمَامِ الْمُنَاسَبَةِ لِلتَّذْكِيرِ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ وُقُوعُهُ عَقِبَ التَّذْكِيرِ بِخَلْقِ الْأَرْضِ، وَالِامْتِنَانُ بِمَا هَيَّأَ مِنْهَا لِلْإِنْسَانِ مَتَاعًا بِهِ، لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ ذَلِك يَنْتَهِي عِنْد مَا يَحِينُ يَوْمُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِهِ: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤] فَإِنَّ الطَّامَّةَ هِيَ الزَّجْرَةُ.
وَمَنَاطُ التَّفْرِيعِ هُوَ مَا عَقَّبَهُ مِنَ التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: فَأَمَّا مَنْ طَغى إِلَخْ إِذْ لَا يَلْتَئِمُ تَفْرِيعُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَإِذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ فَلِذَلِكَ إِذَا وَقَعَ بَعْدَ الْفِعْلِ الْمَاضِي صُرِفَ إِلَى
Juz 30, hlm. 89 ›
الِاسْتِقْبَالِ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بَعْدَ (إِذا) بِفعل الْمَاضِي لِزِيَادَةِ تَحْقِيقِ مَا يُفِيدُهُ (إِذَا) مِنْ تَحَقُّقِ الْوُقُوعِ.
وَالْمَجِيءُ: هُنَا مَجَازٌ فِي الْحُصُولِ وَالْوُقُوعِ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُوَقَّتَ الْمُؤَجَّلَ بِأَجَلٍ يُشْبِهُ شَخْصًا سَائِرًا إِلَى غَايَةٍ، فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ الْمُؤَجَّلُ عِنْدَ أَجَلِهِ فَكَأَنَّهُ السائر إِلَى، إِذا بَلَغَ الْمَكَانَ الْمَقْصُودَ.
وَالطَّامَّةُ: الْحَادِثَةُ، أَوِ الْوَقْعَةُ الَّتِي تَطِمُّ، أَيْ تَعْلُو وَتَغْلِبُ بِمَعْنَى تَفُوقُ أَمْثَالَهَا مِنْ نَوْعِهَا بِحَيْثُ يَقِلُّ مِثْلُهَا فِي نَوْعِهَا، مَأْخُوذٌ مَنْ طَمَّ الْمَاءُ، إِذَا غَمَرَ الْأَشْيَاءَ وَهَذَا الْوَصْفُ يُؤْذِنُ بِالشِّدَّةِ وَالْهَوْلِ إِذْ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ إِلَّا فِي الْأُمُورِ الْمَهُولَةِ ثُمَّ بُولِغَ فِي تَشْخِيصِ هَوْلِهَا بِأَنْ وُصِفَتْ بِ الْكُبْرى فَكَانَ هَذَا أَصْرَحَ الْكَلِمَاتِ لِتَصْوِيرِ مَا يقارن هَذِه الْحَادِثَةَ مِنَ الْأَهْوَالِ.
وَالْمُرَادُ بِالطَّامَّةِ الْكُبْرَى: الْقِيَامَةُ وَقَدْ وُصِفَتْ بِأَوْصَافٍ عَدِيدَةٍ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ الصَّاخَّةِ وَالْقَارِعَةِ وَالرَّاجِفَةِ وَوُصِفَتْ بِالْكُبْرَى.
ويَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى بَدَلٌ من جملَة إِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى بَدَلُ اشْتِمَالٍ لِأَنَّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ يَوْمٌ هُوَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا زَمَنُ مَجِيءِ الطَّامَّةِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَيَوْمُ الْحِسَابِ.
وَتَذَكُّرُ الْإِنْسَانِ مَا سَعَاهُ: أَنْ يُوقَفَ عَلَى أَعْمَالِهِ فِي كِتَابِهِ لِأَنَّ التَّذَكُّرَ مُطَاوِعُ ذَكَّرَهُ.
وَالتَّذَكُّرُ يَقْتَضِي سَبْقَ النِّسْيَانِ وَهُوَ انْمِحَاءُ الْمَعْلُومِ مِنَ الْحَافِظَةِ.
وَالْمَعْنَى: يَوْمَ يُذَكَّرُ الْإِنْسَانُ فَيَتَذَكَّرُ، أَيْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ فَيَعْتَرِفُ بِهِ إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّذَكُّرِ إِلَّا أَثَرُهُ، وَهُوَ الْجَزَاءُ فَكُنِّيَ بِالتَّذَكُّرِ عَنِ الْجَزَاءِ قَالَ تَعَالَى: اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الْإِسْرَاء: ١٤] .
وَتَبْرِيزُ الْجَحِيمِ: إِظْهَارُهَا لِأَهْلِهَا. وَجِيءَ بِالْفِعْلِ الْمُضَاعَفِ لِإِفَادَةِ إِظْهَارِ الْجَحِيمِ لِأَنَّهُ إِظْهَارٌ لِأَجْلِ الْإِرْهَابِ.
وَالْجَحِيمُ: جَهَنَّمُ. وَلِذَلِكَ قُرِنَ فِعْلُهُ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ لِأَنَّ جَهَنَّمَ مُؤَنَّثَةٌ فِي
Juz 30, hlm. 90 ›
الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ هُوَ بِتَأْوِيلِ النَّارِ، وَالْجَحِيمُ كُلُّ نَارٍ عَظِيمَةٍ فِي حُفْرَةٍ عَمِيقَةٍ.
وَبُنِيَ فِعْلُ بُرِّزَتِ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ الْغَرَضِ بِبَيَانِ مُبَرِّزِهَا إِذِ الْمَوْعِظَةُ فِي الْإِعْلَامِ بِوُقُوعِ إِبْرَازِهَا يَوْمَئِذٍ.
ولِمَنْ يَرى، أَيْ لِكُلِّ رَاءٍ، فَفِعْلُ يَرى مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لِمَنْ لَهُ بَصَرٌ، كَقَوْلِ الْبُحْتُرِيِّ:
أَنْ يَرَى مُبْصِرٌ وَيَسْمَعَ وَاعٍ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: فَأَمَّا مَنْ طَغى رَابِطَةٌ لِجَوَابِ (إِذَا) لِأَنَّ جُمْلَةَ مَنْ طَغى إِلَى آخِرِهَا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ (إِذَا) فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ (إِذَا) وَبَيْنَ جَوَابِهَا ارْتِبَاطٌ لَفْظِيٌّ فَلِذَلِكَ تُجْلَبُ الْفَاءُ لِرَبْطِ الْجَوَابِ فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَأَمَّا فِي الْمَعْنَى فَيُعْلَمُ أَنَّ (إِذَا) ظَرْفٌ يَتَعَلَّقُ بِمَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ الَّذِي بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ.
وَ (أَمَّا) حَرْفُ تَفْصِيلٍ وَشَرْطٍ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى: مَهْمَا يَكُنْ شَيْءٌ.
وَالطُّغْيَانُ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ آنِفًا. وَالْمُرَادُ هُنَا: طَغَى عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ.
وَقُدِّمَ ذِكْرُ الطُّغْيَانِ عَلَى إِيثَارِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِأَنَّ الطُّغْيَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ إِيثَارِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَلَمَّا كَانَ مُسَبَّبًا عَنْهُ ذُكِرَ عَقِبَهُ مُرَاعَاةً لِلتَّرَتُّبِ الطَّبِيعِيِّ.
وَالْإِيثَارُ: تَفْضِيلُ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ فِي حَالٍ لَا يَتَيَسَّرُ فِيهَا الْجَمْعُ بَيْنَ أَحْوَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَيُعَدَّى فِعْلُ الْإِيثَارِ إِلَى اسْمِ الْمَأْثُورِ بِتَعْدِيَةِ الْفِعْلِ إِلَى مَفْعُولِهِ، وَيُعَدَّى إِلَى الْمَأْثُورِ عَلَيْهِ بِحَرْفِ (عَلَى) قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا [يُوسُف: ٩١] ، وَقَدْ يُتْرَكُ ذِكْرُ
الْمَأْثُورِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ ذِكْرُ الْمَأْثُورِ يُشِيرُ إِلَيْهِ كَمَا إِذَا كَانَ الْمَأْثُورُ وَالْمَأْثُورُ عَلَيْهِ ضِدَّيْنِ كَمَا هُنَا لِمَا هُوَ شَائِعٌ مِنَ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَقَدْ يُتْرَكُ ذِكْرُ الْمَأْثُورِ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْمَأْثُورِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ هُوَ الْأَهَمَّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ [الْحَشْر: ٩] لِظُهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ يُؤْثِرُونَ الْفُقَرَاءَ.
Juz 30, hlm. 91 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.