فتح القدير للشوكاني
· الشوكاني
سورة النّازعات
وتسمى سورة الساهرة، هي خمس وأربعون آية، وقيل: ست وأربعون آية وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وَالنَّحَّاسُ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّازِعَاتِ بِمَكَّةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ٢٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤)
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)
يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)
فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)
فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦)
أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ الَّتِي تَنْزِعُ أَرْوَاحَ الْعِبَادِ عَنْ أَجْسَادِهِمْ كَمَا يَنْزِعُ النَّازِعُ فِي الْقَوْسِ فَيَبْلُغُ بِهَا غَايَةَ الْمَدِّ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِالنَّاشِطَاتِ وَالسَّابِحَاتِ وَالسَّابِقَاتِ وَالْمُدَبِّرَاتِ، يَعْنِي:
الْمَلَائِكَةَ، وَالْعَطْفُ مَعَ اتِّحَادِ الْكُلِّ لِتَنْزِيلِ التَّغَايُرِ الْوَصْفِيِّ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ الذَّاتِيِّ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ ... وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحَمْ
وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَمِنْ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: النَّازِعاتِ هِيَ النُّفُوسُ حِينَ تَغْرَقُ فِي الصُّدُورِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمَوْتُ يَنْزِعُ النَّفْسَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ النُّجُومُ تَنْزِعُ مِنْ أُفُقٍ إلى أفق، من قولهم: نزع إليهم إِذَا ذَهَبَ، أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ نَزَعَتْ بِالْحَبْلِ، أَيْ: أَنَّهَا تَغْرُبُ وَتَغِيبُ وَتَطْلُعُ مِنْ أُفُقٍ آخَرَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَخْفَشُ وَابْنُ كيسان. وقال عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ: النَّازِعَاتُ: الْقِسِيُّ تَنْزِعُ بِالسِّهَامِ، وَإِغْرَاقُ النَّازِعِ فِي الْقَوْسِ أَنْ يَمُدَّهُ غَايَةَ الْمَدِّ حتى ينتهي به إلى النصب. وقال يحيى بن سلام: تنزع من الْكَلَأِ وَتَنْفِرُ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالنَّازِعَاتِ: الْغُزَاةَ الرُّمَاةَ، وَانْتِصَابُ غَرْقاً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ بِحَذْفِ الزَّوَائِدِ، أَيْ:
إِغْرَاقًا، وَالنَّاصِبُ لَهُ مَا قَبْلَهُ لِمُلَاقَاتِهِ له في المعنى، أي: إغراقا في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجسام، أَوْ عَلَى الْحَالِ، أَيْ: ذَوَاتِ إِغْرَاقٍ، يُقَالُ: أَغْرَقَ فِي الشَّيْءِ يُغْرِقُ فِيهِ إِذَا أَوْغَلَ فيه وبلغ غايته وَمعنى النَّاشِطاتِ أَنَّهَا تَنْشِطُ النُّفُوسَ، أَيْ: تُخْرِجُهَا مِنَ الْأَجْسَادِ كَمَا يَنْشِطُ الْعِقَالُ مِنْ يَدِ الْبَعِيرِ إِذَا
Juz 5, hlm. 449 ›
حُلَّ عَنْهُ، وَنَشَطَ الرَّجُلُ الدَّلْوَ مِنَ الْبِئْرِ إذا أخرجها، والنّشط: الْجَذْبُ بِسُرْعَةٍ، وَمِنْهُ الْأُنْشُوطَةُ لِلْعُقْدَةِ الَّتِي يَسْهُلُ حَلُّهَا. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: نَشِطْتُ الْحَبْلَ أَنْشُطُهُ عَقَدْتُهُ، وَأَنْشَطْتُهُ، أَيْ: حَلَلْتُهُ، وَأَنْشَطْتُ الْحَبْلَ، أَيْ: مَدَدْتُهُ. قَالَ الْفَرَّاءُ: أَنْشَطَ الْعِقَالَ، أَيْ: حَلَّ، وَنَشِطَ، أَيْ: رَبَطَ الْحَبْلَ فِي يَدَيْهِ. قَالَ الأصمعي:
بئر أنشاط، أي: قريبة القعر، تخرج الدَّلْوُ مِنْهَا بِجَذْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِئْرٌ نَشُوطٌ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَخْرُجُ مِنْهَا الدَّلْوُ حَتَّى يَنْشِطَ كثيرا. وقال مجاهد: هي الْمَوْتُ يَنْشِطُ نَفْسَ الْإِنْسَانِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: هِيَ النفوس حين تنشط من القدمين. وقال عِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ: هِيَ الْأَوْهَاقُ «١» الَّتِي تَنْشُطُ السِّهَامَ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَالْأَخْفَشُ:
هِيَ النُّجُومُ تَنْشِطُ مِنْ أُفُقٍ إِلَى أُفُقٍ، أَيْ: تَذْهَبُ. قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يَعْنِي النُّجُومُ مِنْ بُرْجٍ إِلَى بُرْجٍ كَالثَّوْرِ النَّاشِطِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ. وَالْهُمُومُ تَنْشِطُ بِصَاحِبِهَا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَتَادَةُ: هِيَ الْوُحُوشُ حِينَ تَنْشِطُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ. وَقِيلَ: النَّاشِطَاتُ لِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالنَّازِعَاتُ لِأَرْوَاحِ الْكَافِرِينَ لِأَنَّهَا تَجْذِبُ رُوحَ الْمُؤْمِنِ بِرِفْقٍ وَتَجْذِبُ رُوحَ الْكَافِرِ بِعُنْفٍ، وَقَوْلُهُ: نَشْطاً مَصْدَرٌ، وَكَذَا سَبْحًا وَسَبْقًا.
وَالسَّابِحاتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبَحُ فِي الْأَبْدَانِ لِإِخْرَاجِ الرُّوحِ كَمَا يَسْبَحُ الْغَوَّاصُ فِي الْبَحْرِ لِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَأَبُو صَالِحٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ يَنْزِلُونَ مِنَ السَّمَاءِ مُسْرِعِينَ لِأَمْرِ اللَّهِ، كَمَا يُقَالُ لِلْفَرَسِ الْجَوَادِ سَابِحٌ إِذَا أَسْرَعَ فِي جَرْيِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: السَّابِحَاتُ: الْمَوْتُ يَسْبَحُ فِي نُفُوسِ بَنِي آدَمَ. وَقِيلَ: هِيَ الْخَيْلُ السَّابِحَةُ فِي الْغَزْوِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
وَالْخَيْلُ تَعْلَمُ حِينَ تَسْ ... بَحُ فِي حِيَاضِ الْمَوْتِ سَبْحَا
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: هِيَ النُّجُومُ تَسْبَحُ فِي أَفْلَاكِهَا، كَمَا في قوله: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «٢» وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ السُّفُنُ تَسْبَحُ فِي الْمَاءِ، وَقِيلَ: هِيَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَسْبَحُ شَوْقًا إِلَى اللَّهِ فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً هُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ كَمَا سَلَفَ. قَالَ مَسْرُوقٌ وَمُجَاهِدٌ: تَسْبِقُ الْمَلَائِكَةُ الشَّيَاطِينَ بِالْوَحْيِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ أَبُو رَوْقٍ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ سَبَقَتِ ابْنَ آدَمَ بِالْخَيْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ مقاتل:
هي الملائكة تَسْبِقُ بِأَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: هِيَ أَنْفُسُ الْمُؤْمِنِينَ تَسْبِقُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ شَوْقًا إِلَى اللَّهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: هُوَ الْمَوْتُ يَسْبِقُ الْإِنْسَانَ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ وَمَعْمَرٌ: هِيَ النُّجُومُ يَسْبِقُ بَعْضُهَا فِي السَّيْرِ بَعْضًا. وَقَالَ عَطَاءٌ: هِيَ الْخَيْلُ الَّتِي تَسْبِقُ إِلَى الْجِهَادِ. وَقِيلَ: هِيَ الْأَرْوَاحُ الَّتِي تَسْبِقُ الْأَجْسَادَ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ. قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: عَطَفَ السَّابِقَاتِ بِالْفَاءِ لِأَنَّهَا مُسَبِّبَةٌ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، أَيْ: واللاتي يسبحن فيسبقن، تقول: قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سببا للذهاب، وَلَوْ قُلْتَ قَامَ وَذَهَبَ بِالْوَاوِ لَمْ يَكُنِ الْقِيَامُ سَبَبًا لِلذَّهَابِ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَهَذَا غَيْرُ مُطَّرِدٍ فِي قَوْلِهِ: فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَجْعَلَ السَّبْقَ سَبَبًا لِلتَّدَبُّرِ، قَالَ الرَّازِّيُّ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الْوَاحِدِيُّ: بِأَنَّهَا لَمَّا أمرت سبحت فسبقت
Juz 5, hlm. 450 ›
فَدَبَّرَتْ مَا أُمِرَتْ بِتَدْبِيرِهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ أَفْعَالًا يَتَّصِلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: قَامَ زَيْدٌ فَذَهَبَ. وَلَمَّا سَبَقُوا فِي الطَّاعَاتِ وَسَارَعُوا إِلَيْهَا ظَهَرَتْ أَمَانَتُهُمْ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ التَّدْبِيرَ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ السَّبْقَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلتَّدْبِيرِ كَسَبَبِيَّةِ السَّبْحِ لِلسَّبْقِ وَالْقِيَامِ لِلذَّهَابِ، وَمُجَرَّدُ الِاتِّصَالِ لَا يُوجِبُ السَّبَبِيَّةَ وَالْمُسَبَّبِيَّةَ. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ فِي الْمُدَبِّرَاتِ طُوبِقَ بِهِ مَا قَبْلُهُ مِنْ عَطْفِ السَّابِقَاتِ بِالْفَاءِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نُكْتَةٍ كَمَا احْتَاجَ إِلَيْهَا مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ النُّكْتَةَ إِنَّمَا تُطْلَبُ لِمُخَالَفَةِ اللَّاحِقِ لِلسَّابِقِ لَا لِمُطَابَقَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا الْكَوَاكِبُ السَّبْعُ، حَكَاهُ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. وَفِي تَدْبِيرِهَا الْأَمْرَ وجهان: أحدهما: تدبّر طلوعها وأفولها. الثاني: تدبّر ما قضاه الله فِيهَا مِنَ الْأَحْوَالِ. وَمَعْنَى تَدْبِيرِ الْمَلَائِكَةِ لِلْأَمْرِ نُزُولُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَتَفْصِيلُهُمَا وَالْفَاعِلُ لِلتَّدْبِيرِ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ اللَّهَ ﷿، لَكِنْ لَمَّا نَزَلَتِ الْمَلَائِكَةُ بِهِ وُصِفَتْ بِهِ. وَقِيلَ:
إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا أُمِرَتْ بِتَدْبِيرِ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي الرِّيَاحِ وَالْأَمْطَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قِيلَ لها: مدبرات. قال عبد الرّحمن ابن سَابَاطٍ: تَدْبِيرُ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ، فَأَمَّا جِبْرِيلُ فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فمو كل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل فمو كل بِقَبْضِ الْأَنْفُسِ، وَأَمَّا إِسْرَافِيلُ فَهُوَ يَنْزِلُ بِالْأَمْرِ عَلَيْهِمْ، وَجَوَابُ الْقَسَمِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا مَحْذُوفٌ، أَيْ: وَالنَّازِعَاتِ، وَكَذَا وَكَذَا لَتُبْعَثُنَّ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَحُذِفَ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِهِ، ويدل عليه قوله: أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً «١» وَقِيلَ:
إِنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى «٢» أي: إن في يوم القيامة ذكر وموسى وَفِرْعَوْنَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا قَبِيحٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ قَدْ طَالَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: جَوَابُ الْقَسَمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى «٣» لِأَنَّ الْمَعْنَى: قَدْ أَتَاكَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا. وَقِيلَ: الْجَوَابُ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ عَلَى تَقْدِيرٍ: ليوم تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ. وَقَالَ السِّجِسْتَانِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ وَالنَّازِعَاتِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْفَاءَ لَا يُفْتَتَحُ بِهَا الْكَلَامُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ انْتِصَابُ هَذَا الظَّرْفِ بِالْجَوَابِ الْمُقَدَّرِ لِلْقَسَمِ، أَوْ بِإِضْمَارِ: اذْكُرْ، وَالرَّاجِفَةُ:
الْمُضْطَرِبَةُ، يُقَالُ: رَجَفَ يَرْجُفُ إِذَا اضْطَرَبَ، وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّيْحَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي فِيهَا تَرَدُّدٌ وَاضْطِرَابٌ كَالرَّعْدِ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأَوْلَى الَّتِي يَمُوتُ بِهَا جَمِيعُ الْخَلَائِقِ، وَالرَّادِفَةُ: النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تَكُونُ عِنْدَ الْبَعْثِ، وَسُمِّيَتْ رَادِفَةً لِأَنَّهَا رَدَفَتِ النَّفْخَةَ الْأُولَى، كَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَّاجِفَةُ: الْأَرْضُ، وَالرَّادِفَةُ: السَّاعَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الرَّادِفَةُ: الزَّلْزَلَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ الصَّيْحَةُ، وَقِيلَ: الرَّاجِفَةُ: اضْطِرَابُ الْأَرْضِ، وَالرَّادِفَةُ: الزَّلْزَلَةُ، وَأَصْلُ الرَّجْفَةِ: الْحَرَكَةُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّحَرُّكُ هُنَا فَقَطْ بَلِ الرَّاجِفَةُ هُنَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجَفَ الرَّعْدُ يَرْجُفُ رَجْفًا وَرَجِيفًا إِذَا ظَهَرَ صَوْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْأَرَاجِيفُ لِاضْطِرَابِ الْأَصْوَاتِ بِهَا وظهور الأصوات فيها، ومنه قول الشاعر «٤» :
Juz 5, hlm. 451 ›
Pembahasan ayat ini masih 4 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.