محل جر بالإضافة من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَكَبِّرْ:﴾ الفاء: واقعة في جواب شرط محذوف، التقدير: وأيا ما كان؛ فلا تدع تكبيره؛ أي: أي شيء حدث، ووقع؛ فلا تدع تكبيره. وهو مفاد قول المفسرين، وأرى صحة اعتبار الفاء صلة، ولا حاجة لهذه التقديرات، وهذه التكلفات. (كبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية جواب للشرط المقدر على قول المفسرين، ومعطوفة على ما قبلها على اعتبار الفاء صلة، والجملتان بعدها معطوفتان عليها، والكلام عليهما مثلها.
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَمْنُنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا) الناهية، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها. ﴿تَسْتَكْثِرُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية في محل نصب حال من فاعل ﴿تَمْنُنْ﴾ المستتر، والرابط الضمير فقط، التقدير: لا تعط مستكثرا. هذا؛ وقرأ الحسن البصري «(تستكثر)» بالسكون. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلا من ﴿تَمْنُنْ﴾ أي: لا تر ما تعطيه كثيرا.
والثاني: أنّه قدّر الوقف عليه؛ لكونه رأس آية، فسكّنه لأجل الوقف، ثم وصله بنية الوقف.
والثالث: أن يكون سكنه لتناسب رؤوس الآية، وهي: ﴿فَأَنْذِرْ..﴾. إلخ، انتهى. قطر الندى، ومغني اللبيب. وقيل: مجزوم بجواب النهي، ولا وجه له؛ لأن المعنى يختل بتقدير إن قبل (لا) ومن شروط الجزم بعد النهي صحة وقوع «إن» قبل «لا»، إلا إذا كان المعنى: إن لا تمتن بعملك تزدد من الثواب لسلامة ذلك من الإبطال بالمن. وهذا عكس ما رأيته في الشرح. تأمل. هذا؛ وقرأ الأعمش، ويحيى بالنصب على توهم لام التعليل. قال: ولا تمنن لتستكثر. وقيل: هو على إضمار «أن» مثل قول طرفة بن العبد في معلقته رقم [٦٠]: [الطويل]
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى... وأن أشهد اللّذّات هل أنت مخلدي؟
وقراءة الرفع سبعية، بخلاف قراءة السكون، والنصب. ﴿وَلِرَبِّكَ:﴾ الواو: حرف عطف.
(لربك): متعلقان بما بعدهما، والكاف في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه. ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: قل فيها ما رأيته بما قبلها. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره: «أنت»، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، ولا تنس: أن تقديم المفعول في جميع الآيات يفيد الاختصاص.
﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾
الشرح: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ:﴾ إذا نفخ في الصور. والناقور: فاعول من النقر، وهو القرع الذي هو سبب الصوت، والنقر في كلام العرب: الصوت، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
أخفّضه بالنّقر لمّا علوته... ويرفع طرفا غير خاف غضيض
Juz 10, hlm. 277 ›
انظر ما ذكرته في شأن «الصور» والنافخ فيه، وهو إسرافيل-﵇-في الآية رقم [١٣] من سورة (الحاقة) تجد ما يسرك، ويثلج صدرك، وأذكر هنا قوله تعالى في سورة (ق) رقم [٤١]: ﴿يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ فالمنادي هو إسرافيل ﵇، ونداؤه في الحشر فيقول: أيتها العظام البالية! أيتها الأوصال المتقطعة! أيتها اللحوم المتمزقة! أيتها الشعور المتفرقة! إن الله يأمركنّ أن تجتمعن لفصل القضاء.
﴿فَذلِكَ﴾ أي: وقت النقر، أي: النفخ في الصور. ﴿يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ أي: شديد. ﴿عَلَى الْكافِرِينَ:﴾
على من كفر بالله، وكتابه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء، والقدر خيره، وشره. ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ أي: غير سهل، ولا هين، وذلك؛ لأن عقدهم لا تنحل إلا إلى عقدة أشد منها، ولا يجتازون عقبة إلا وبعدها أصعب منها، بخلاف المؤمنين الموحدين المذنبين، فإن عقدهم تنحل إلى ما هو أخف منها؛ حتى يدخلوا الجنة برحمة الله تعالى.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: فما فائدة قوله: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ و ﴿عَسِيرٌ﴾ مغن عنه؟ قلت: لما قال: ﴿عَلَى الْكافِرِينَ﴾ فقصر العسر عليهم؛ قال: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ليؤذن بأنه لا يكون عليهم كما يكون على المؤمنين يسيرا هينا؛ ليجمع بين وعيد الكافرين، وزيادة غلظهم، وبشارة المؤمنين، وتسليتهم. ويجوز أن يراد: أنه عسير، لا يرجى أن يرجع يسيرا، كما كان يرجى تيسير العسير من أمور الدنيا، بل إنهم يناقشون الحساب، وتسود وجوههم، ويحشرون زرقا، ويفتضحون على رؤوس الأشهاد.
وعن أبي حيان؛ قال: أمّنا زرارة بن أوفى قاضي البصرة في صلاة الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ..﴾. إلخ، شهق شهقة، ثم خر ميتا ﵀. هذا؛ والتعبير عن النفخ وعن الصور بالنقر في الناقور، لبيان هول الأمر، وشدته، فإن النقر في كلام العرب معناه: الصوت، وإذا اشتد الصوت؛ أصبح مفزعا. وينبغي أن تعلم أن الله تعالى لما ذكر ما يتعلق بإرشاد النبي ﷺ ذكر بعده وعيد الأشقياء بقوله: ﴿فَإِذا نُقِرَ..﴾. إلخ.
﴿يَوْمَئِذٍ:﴾ التنوين ينوب عن جملة محذوفة دلت عليها الغاية، أي: يوم ينقر في الناقور، و (إذ) مضافة لهذه الجملة، فحذفت الجملة الفعلية، وعوض عنها التنوين، وكسرت الذال لالتقاء الساكنين، كما كسرت الهاء في: صه، ومه عند تنوينهما، ومثل ذلك قل في: حينئذ، وساعتئذ، ونحوهما. قال تعالى في سورة (الواقعة) رقم [٨٤]: ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: حين إذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون.
﴿غَيْرُ:﴾ اسم شديد الإبهام، فلا يتعرف بالإضافة لمعرفة، وغيرها، وهو ملازم للإضافة، ويجوز أن يقطع عنها؛ إن فهم المعنى، أو تقدمت كلمة ليس عليها، يقال: قبضت عشرة ليس
Juz 10, hlm. 278 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.