تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩)﴾
الشرح: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ:﴾ محمد ﷺ. ﴿يَدْعُوهُ:﴾ يعبده ببطن نخلة، يركع، ويسجد، ويقوم، ويقعد. ﴿كادُوا يَكُونُونَ:﴾ الضمير عائد على الجن. ﴿عَلَيْهِ لِبَداً﴾ أي: يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته، وسمعوا من قراءته. قال الزبير بن العوام: هم الجن حين سمعوا القرآن من النبي ﷺ، أي: كادوا يركب بعضهم بعضا، وروي عن مكحول: إن الجن بايعوا رسول الله ﷺ في هذه الليلة، وكانوا سبعين ألفا، وفرغوا من بيعته عند انشقاق الفجر.
ويضعفه قوله تعالى: ﴿اِسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾.
وقيل: المعنى: كاد المشركون يركب بعضهم بعضا حردا على النبي ﷺ. وقال الحسن، وقتادة، وابن زيد: يعني لما قدم محمد بالدعوة تلبدت الإنس، والجن على هذا الأمر؛ ليطفئوه، وأبى الله إلا أن ينصره، ويتم نوره. ومعنى ﴿لِبَداً﴾ جماعات، وهو من تلبد الشيء على الشيء، أي: تجمع، ومنه: اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه، وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته، ولبد جمع لبدة، مثل: قربة، وقرب، ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد: لبدة وجمعها لبد.
قال زهير في معلقته رقم [٤٣]: [الطويل]
لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف... له لبد أظفاره لم تقلّم
ويقال للجراد الكثير: لبد، وفيه أربع لغات، وقراءات. وقيل اللّبد بضم اللام وفتح الباء الشيء الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان: لبد؛ لدوامه، وطول مدته. قال النابغة الذبياني في معلقته رقم [٦] -انظر شرحه فيها، وشرح بيت زهير، وهو مما امتن الله به عليّ في إعراب المعلقات العشر-: [البسيط]
أضحت خلاء، وأضحى أهلها احتملوا... أخنى عليها الّذي أخنى على لبد
ولا تنس أن لبدا جاء بقوله تعالى في سورة (البلد): ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً﴾ بمعنى الكثير، واللبد أيضا: المقيم، الذي لا يسافر، ولا يبرح منزله. قال الراعي النميري: [البسيط]
من امرئ ذي سماح لا تزال له... بزلاء يعيا بها الجثّامة اللّبد
بعد هذا فالإضافة ب: (عبد الله) إضافة تشريف، وتعظيم، وتبجيل، وتكريم، وذكر العبودية مقام عظيم، ولو كان للنبي ﷺ اسم أشرف منه؛ لسماه به في ليلة الإسراء والمعراج؛ حيث قال جل شأنه في تلك الحالة العلية: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾. وفي معناه أنشدوا: [السريع]
يا قوم قلبي عند زهراء... يعرفه السّامع والرّائي
Juz 10, hlm. 229 ›
لا تدعني إلاّ بيا عبدها... فإنه أشرف أسمائي
علما بأنه ﷺ لم يذكر باسمه الصريح في القرآن الكريم، إلا قليلا، ذكر باسم محمد في سورة (آل عمران)، وسورة (الأحزاب)، وسورة (محمد)، وسورة (الفتح)، وذكر باسم أحمد في سورة (الصف)، وذكر باسم طه في سورة (طه)، وذكر باسم ياسين في سورة (يس). هذا؛ والعبد: الإنسان حرّا كان، أو رقيقا، ويجمع على: عبيد، وعباد، وأعبد، وعبدان، وعبدة، وغير ذلك. قال القشيري: لما رفعه الله إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية؛ ألزمه العبودية تواضعا للأمة.
أما «كاد» فهو فعل يدل على مقاربة وقوع الفعل بعده، ولذا لم تدخل عليه «أن»؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال، وإذا دخل عليه حرف النفي دل على أن الفعل بعدها وقع، كما في قوله تعالى في سورة (البقرة): ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وإذا لم يدخل عليها حرف النفي، لم يكن الفعل بعدها واقعا، ولكنه قارب الوقوع، والفعل منها واوي العين، ف «كاد» أصله كود بكسر الواو، كخوف، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفا، فصار: كاد، ويكاد أصله: يكود، كيعلم، فقل في إعلاله: نقلت فتحة الواو إلى الكاف قبلها؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة، ثم يقال: تحركت الواو بحسب الأصل. وانفتح ما قبلها الآن، فقلبت ألفا، فصار يكاد بوزن يخاف، ومصدرها: الكود، كالخوف، وهذا في الناقصة، وأما كاد التامة فهي يائية العين المفتوحة في الماضي، كباع، ومصدره الكيد، كالبيع، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا، فمن الأول الناقص: قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ ومن الثاني التام قوله تعالى: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ ومعنى الناقص: المقاربة، ومعنى التام: المكر، والحيلة، والأول ناقص التصرف، ويحتاج إلى مرفوع، ومنصوب، والثاني تام التصرف، ويكتفي بالفاعل، وينصب المفعول به.
فائدة:
قد تأتي كاد بمعنى أراد. قاله محب الدين الخطيب شارح شواهد الكشاف، وجعل منه قول الأفوه الأودي: [البسيط]
والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أسباب وأعمدة... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
أي: الذي أرادوا. ومنه قول الآخر: [الكامل]
كدنا وكدت، وتلك خير إرادة... لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي: أردنا، وأردت. دليله: (تلك خير إرادة).
تنبيه: شاع على الألسن أن نفي (كاد) إثبات، وإثباتها نفي، ولذا ألغز المعري بقوله: [الطويل]
أنحويّ هذا العصر ما هي لفظة... جرت في لساني جرهم وثمود
Juz 10, hlm. 230 ›
إذا استعملت في صورة الجحد أثبت... وإن أثبتت قامت مقام جحود
فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك صاحب الألفية بقوله: [الطويل]
نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى... فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى... فخذ نظمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النحاة على أن (كاد) كسائر الأفعال، وكلامهم متقارب في المعنى في هذا الشأن، انظر الشاهد رقم [١١٢٧] من كتابنا: «فتح القريب المجيب» والأشموني، وغيرهما.
وها أنذا أسوق لك ما ذكره السيوطي-رحمه الله تعالى-في كتابه (همع الهوامع) لتكون على بصيرة من أمرك.
قال-رحمه الله تعالى-: والتحقيق: أنها كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، إلا أن معناها المقاربة، لا وقوع الفعل، فنفيها نفي لمقاربة الفعل، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أنّ من لم يقارب الفعل لم يقع منه الفعل، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل، ولا يلزم من مقاربته وقوعه، فقولك: (كاد زيد يقوم) معناه: قارب القيام، ولم يقم، ومنه قوله تعالى: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ أي: يقارب الإضاءة، إلا أنه لم يضئ، وقولك: (لم يكد زيد يقوم) معناه لم يقارب القيام، فضلا عن أن يصدر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ أي: لم يقارب أن يراها، فضلا عن أن يرى، وقوله تعالى: ﴿وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: لا يقارب إساغته، فضلا عن أن يسيغه. وعلى هذا الزجاجي، وغيره. وذهب قوم، منهم ابن جني إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل ببطء ل: آية: ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ رقم [٧١] من سورة (البقرة)، فإنهم فعلوا بعد بطء، والجواب: أنها محمولة على وقتين، أي: فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾.
وقال ابن هشام في مغنيه: فالجواب: أنه إخبار عن حالهم في أول الأمر، فإنهم كانوا أولا بعداء عن ذبحها، بدليل ما يتلى علينا من تعنتهم، وتكرار سؤالهم. انتهى.
الإعراب: ﴿وَأَنَّهُ:﴾ الواو: حرف عطف. (أنه): حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمه. ﴿لَمّا:﴾
انظر الآية رقم [١٣]. ﴿قامَ:﴾ فعل ماض. ﴿عَبْدُ:﴾ فاعله، و ﴿عَبْدُ﴾ مضاف، و ﴿اللهِ﴾ مضاف إليه، والجملة الفعلية في محل جر بإضافة ﴿لَمّا﴾ إليها على اعتبارها ظرفا، ولا محل لها على اعتبار ﴿لَمّا﴾ حرفا. ﴿يَدْعُوهُ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الواو للثقل، والفاعل يعود إلى: ﴿عَبْداً لِلّهِ،﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل نصب حال من:
﴿عَبْداً لِلّهِ،﴾ والرابط: الضمير العائد إليه. هذا؛ وإن اعتبرت ﴿قامَ﴾ من أفعال الشروع؛ فالجملة الفعلية في محل نصب خبرها. ﴿كادُوا:﴾ فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمه،
Juz 10, hlm. 231 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.