تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير
· ابن عاشور
كَفَرُوا اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَى أَنَّهُمْ كَذَّبُوا وَكَفَرُوا.
وَظَرْفِيَّةُ فِي ضَلالٍ مَجَازِيَّةٌ تَعْبِيرًا عَنْ تَمَكُّنِ وَصْفِ الضَّلَالِ مِنْهُ حَتَّى كَأَنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ إِحَاطَةَ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ.
«وَالضَّلَالُ» اسْمُ مَصْدَرِ ضَلَّ إِذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ، «وَالْمُبِينُ» اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَبَانَ الْمُرَادِفِ بَانَ، وَذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَالِغُ الْغَايَةَ فِي الْبُعْدِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَهَذِهِ شُبْهَةٌ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ تَوَهَّمُوا أَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَلَا عَجَبَ إِذَا جَعَلُوا مَا بَعُدَ عَنْهُ بُعْدًا عَظِيمًا ضَلَالًا بَيِّنًا لِأَنَّهُ خَالَفَهُمْ، وَجَاءَ بِمَا يَعُدُّونَهُ مِنَ الْمُحَالِ، إِذْ نَفَى الْإِلَهِيَّةَ عَنْ آلِهَتِهِمْ، فَهَذِهِ مُخَالَفَةٌ، وَأَثْبَتَهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانُوا وَثَنِيِّينَ فَهَذِهِ مُخَالَفَةٌ أُخْرَى، وَتَوَعَّدَهُمْ بِعَذَابٍ عَلَى ذَلِكَ وَهَذِهِ مُخَالَفَةٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الْعَذَابُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ عَذَابُ الْآخِرَةِ فَقَدْ أَخْبَرَهُمْ بِأَمْرٍ مُحَالٍ عِنْدَهُمْ وَهُوَ الْبَعْثُ، فَهِيَ مُخَالِفَةٌ أُخْرَى، فَضَلَالُهُ عِنْدَهُمْ مُبِينٌ، وَقَدْ يَتَفَاوَتُ ظُهُورُهُ، وَادَّعَى أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ وَهَذَا فِي زَعْمِهِمْ تَعَمُّدُ كَذِبٍ وَسَفَاهَةُ عَقْلٍ وَادِّعَاءُ مُحَالٍ كَمَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ [الْأَعْرَاف: ٦٦]- وَقَوْلِهِ هُنَا- أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ [الْأَعْرَاف: ٦٣] الْآيَة.
[٦١- ٦٣]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٦١]
قالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١)
[٦٢]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٦٢]
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)
[٦٣]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٦٣]
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
فُصِلَتْ جُمْلَةُ: قالَ عَلَى طَرِيقَةِ فَصْلِ الْمُحَاوَرَاتِ. وَالنِّدَاءُ فِي جَوَابِهِ إِيَّاهُمْ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ، وَلَمْ يَخُصَّ خُطَّابَهُ بِالَّذِينَ جَاوَبُوهُ، بَلْ أَعَادَ الْخِطَابَ إِلَى الْقَوْمِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّ جَوَابَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُجَادَلَةً
Juz 8-ب, hlm. 191 ›
لِلْمَلَأِ مِنْ قَوْمِهِ هُوَ أَيْضًا يَتَضَمَّنُ دَعْوَةً عَامَّةً، كَمَا هُوَ بَيِّنٌ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا نُكْتَةُ التَّعْبِيرِ فِي نِدَائِهِمْ بِوَصْفِ الْقَوْمِ الْمُضَافِ إِلَى ضَمِيرِهِ، فَأَعَادَ ذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً
اسْتِنْزَالًا لِطَائِرِ نُفُوسِهِمْ مِمَّا سَيَعْقُبُ النِّدَاءَ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَإِبْطَالِ قَوْلِهِمْ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الْأَعْرَاف: ٦٠] .
وَالضَّلَالَةُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الضَّلَالِ، فَتَأْنِيثُهُ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، وَالْعَرَبُ يَسْتَشْعِرُونَ التَّأْنِيثَ غَالِبًا فِي أَسْمَاءِ أَجْنَاسِ الْمَعَانِي، مِثْلِ الْغَوَايَةِ وَالسَّفَاهَةِ، فَالتَّاءُ لِمُجَرَّدِ تَأْنِيثِ اللَّفْظِ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ التَّاءِ مَعْنَى الْوَحْدَةِ لِأَنَّ أَسْمَاءَ أَجْنَاسِ الْمَعَانِي لَا تُرَاعَى فِيهَا الْمُشَخِّصَاتُ، فَلَيْسَ الضَّلَالُ بِمَنْزِلَةِ اسْمِ الْجَمْعِ لِلضَّلَالَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي «الْكَشَّافِ» ، وَكَأَنَّهُ حَاوَلَ إِثْبَاتَ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِ قَوْمِهِ لَهُ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ [الْأَعْرَاف: ٦٠] ، وَقَوْلِهِ هُوَ: لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَتَبِعَهُ فِيهِ الْفَخْرُ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي «الْمَثَلِ السَّائِرِ» ، وَقَدْ تكلّف لتصحيحه التفتازانيّ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّخَالُفَ بَيْنَ كَلِمَتِي ضَلَالٍ وَضَلَالَةٍ اقْتَضَاهُ التَّفَنُّنُ حَيْثُ سَبَقَ لَفْظُ ضَلَالٍ، وَمُوجِبُ سَبْقِهِ إِرَادَةُ وَصْفِهِ ب مُبِينٍ [الْأَعْرَاف: ٦٠] ، فَلَوْ عَبَّرَ هُنَالِكَ بِلَفْظِ ضَلَالَةٍ لَكَانَ وَصْفُهَا بِمُبِينَةٍ غَيْرَ مَأْلُوفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلَمَّا تَقَدَّمَ لفظ ضَلالٍ [الْأَعْرَاف: ٦٠] اسْتُحْسِنَ أَنْ يُعَادَ بِلَفْظٍ يُغَايِرُهُ فِي السُّورَةِ دَفْعًا لِثِقَلِ الْإِعَادَةِ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ:
إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الْأَعْرَاف: ٦٠] بِمُسَاوِيهِ لَا بِأَبْلَغَ مِنْهُ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِي لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ الْمُلَابَسَةِ، وَهِيَ تُنَاقِضُ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي ضَلالٍ [الْأَعْرَاف: ٦٠] فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا الضَّلَالَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ، فَنَفَى هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلضَّلَالِ مُتَلَبَّسٌ بِهِ.
وَتَجْرِيدُ لَيْسَ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ مَعَ كَوْنِ اسْمِهَا مُؤَنَّثَ اللَّفْظِ جَرَى عَلَى الْجَوَازِ فِي تَجْرِيدِ الْفِعْلِ مِنْ عَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، إِذَا كَانَ مَرْفُوعُهُ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ، وَلِمَكَانِ الْفَصْلِ بِالْمَجْرُورِ.
وَالِاسْتِدْرَاكُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ وَلكِنِّي رَسُولٌ لِرَفْعِ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنْ أَنَّهُ فِي ضَلَالٍ حَيْثُ خَالَفَ دِينَهُمْ، أَيْ هُوَ فِي حَالِ رِسَالَةٍ عَنِ اللَّهِ، مَعَ مَا تَقْتَضِي الرِّسَالَةُ
Juz 8-ب, hlm. 192 ›
مِنَ التَّبْلِيغِ وَالنُّصْحِ وَالْإِخْبَارِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ، وَذَلِكَ مَا حَسِبُوهُ ضَلَالًا، وَشَأْنُ (لَكِنَّ) أَنْ تَكُونَ جُمْلَتُهَا مُفِيدَةً مَعْنَى يُغَايِرُ مَعْنَى الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ قَبْلَهَا، وَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ السَّابِقَةُ وَذَلِكَ هُوَ حَقِيقَةُ الِاسْتِدْرَاكِ الْمَوْضُوعَةُ لَهُ (لَكِنَّ) فَلَا بُدَّ مِنْ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الْجُمْلَتَيْنِ: إِمَّا فِي الْمُسْنَدِ نَحْوَ وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ [الْأَنْفَال: ٤٣] أَوْ فِي الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ نَحْوَ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الْأَنْفَال: ١٧] فَلَا يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: مَا سَافَرْتُ وَلَكِنِّي مُقِيمٌ، وَأَكْثَرُ وُقُوعِهَا بَعْدَ جُمْلَةٍ مَنْفِيَّةٍ، لِأَنَّ النَّفْيَ مَعْنًى وَاسِعٌ، فَيَكْثُرُ أَنْ
يَحْتَاجَ الْمُتَكَلِّمُ بَعْدَهُ إِلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ، فَيَأْتِي بِالِاسْتِدْرَاكِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْرَاكِ هُوَ رَفْعُ مَا يَتَوَهَّمُ السَّامِعُ ثُبُوتَهُ أَوْ نَفْيَهُ فَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى بَعْضِ أَحْوَالِ الِاسْتِدْرَاكِ أَوْ إِلَى بَعْضِ أَغْرَاضِ وُقُوعِهِ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِدْرَاك لَا تتقوم إِلَّا بِذَلِكَ.
وَاخْتِيَارُ طَرِيقِ الْإِضَافَةِ فِي تَعْرِيفِ الْمُرْسَلِ: لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ مِنْ تَفْخِيمِ الْمُضَافِ وَمِنْ وُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، تَعْرِيضًا بِقَوْمِهِ إِذْ عَصَوْهُ.
وَجُمْلَةُ: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أَوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا إِفَادَةُ التَّجَدُّدِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكِ التَّبْلِيغِ مِنْ أَجْلِ تَكْذِيبِهِمْ تَأْيِيسًا لَهُمْ مِنْ مُتَابَعَتِهِ إِيَّاهُمْ، وَلَوْلَا هَذَا الْمَقْصِدُ لَكَانَ مَعْنَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ حَاصِلًا مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَلكِنِّي رَسُولٌ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ الرِّسَالَاتِ لِأَنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَضَمَّنُ رِسَالَةً بِمَا بَلَّغَهُ، ثُمَّ إِنِ اعْتُبِرَتْ جُمْلَةُ: أُبَلِّغُكُمْ صِفَةً، يَكُنْ الْعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ إِلَى ضَمِيرِ التَّكَلُّمِ فِي قَوْلِهِ: أُبَلِّغُكُمْ وَقَوْلِهِ: رَبِّي الْتِفَاتًا، بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمَوْصُوفِ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَإِن اعْتبرت استينافا، فَلَا الْتِفَاتَ.
وَالتَّبْلِيغُ وَالْإِبْلَاغُ: جَعْلُ الشَّيْءِ بَالِغًا، أَيْ وَاصِلًا إِلَى الْمَكَانِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ لِلْإِعْلَامِ بِالْأَمْرِ الْمَقْصُودِ عِلْمُهُ، فَكَأَنَّهُ يَنْقُلُهُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ.
Juz 8-ب, hlm. 193 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.