تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. وفي الحديث (¬٥١): " كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها". وقدر الله نافذ في بريته، فإنَّه هو ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، و ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. وفي الصحيحين (¬٥٢): " فأمَّا من كان منكم [¬١] من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما [¬٢] من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل [¬٣] الشقاوة". ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، ثم علل ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ] [¬٤]﴾.
قال ابن جرير [¬٥]: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم: أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها إلَّا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها؛ لأنَّ ذلك [¬٦] لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنَّه هاد وفريق الهدى؛ فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.
﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة؛ كما رواه مسلم والنَّسائيُّ وابن جرير واللفظ له (¬٥٣): من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة: الرجال والنساء، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:
اليوم يَبدُو بَعضُه أو كُلهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
فقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
Juz 6, hlm. 285 ›
وقال العوفي (¬٥٤): عن ابن عباس في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البزِّ والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.
وكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النَّخعيُّ وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضَّحَّاك [ومالك، عن الزُّهريّ] [¬١] وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: إنَّها نزلت [¬٢] في طواف المشركين بالبيت عراة.
وقد روى الحافظ ابن مردويه (¬٥٥): من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: أنَّها أنزلت في الصَّلاة في النعال. ولكن في صحته نظر، والله أعلم.
ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة: يستحب التجمل عند الصَّلاة، ولاسيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنَّه من الزينة، والسواك؛ لأنَّه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس [¬٣] البياض؛ كما قال الإِمام أحمد (¬٥٦):
Juz 6, hlm. 286 ›
حدّثنا على بن عاصم، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن من خير أكحالكم الإثمد، فإنَّه يجلو البصر ويُنْبتُ الشعر".
هذا حديث جيد الإِسناد، رجاله على شرط مسلم، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة: من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به. وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.
وللإمام أحمد (¬٥٧) أيضاً وأهل السنن [¬١] بإسناد جيد: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: "عليكم بثياب [¬٢] البياض فالبسوها، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم".
وروى الطّبرانيّ (¬٥٨) بسند صحيح: عن قتادة، عن محمَّد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى
Juz 6, hlm. 287 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.