تفسير القرآن الثري الجامع
· محمد الهلال
الاختلاف في الآيتين: يرجع فقط إلى زيادة اللام في كلمة ﴿لَسَرِيعُ﴾: والتي تفيد التوكيد على أنه سريع العقاب.
والعقاب: هو الجزاء على الفعل؛ أيْ: يدل على المعاقب يستحق العقاب، عَقيب فعله، أو إجرامه، من دون تأخير.
والسبب في التوكيد: أن آية الأعراف: جاءت في سياق بني إسرائيل، وعدم التزامهم بأوامر الله، كما ورد في أصحاب السبت، وعبادة العجل، ونتق الجبل، ولذلك أكَّد الله أنهم يستحقون العقاب في الدنيا؛ لأنهم يستمرون على فعل المعاصي، ويظنون أنهم سيغفر لهم، وأما آية سورة الأنعام: فجاءت في سياق العقوبات في الآخرة.
سورة الأعراف [٧: ١٦٨]
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمًا﴾: أي: بني إسرائيل، فرَّقناهم في الأرض طوائف، فلا يكاد يخلو بلد منهم، وأمماً: جمع أمة، أو جماعة من الناس، تجمعهم عقيدة، أو شريعة واحدة؛ بغض النظر عن العدد، أو الحيز الجغرافي.
﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ: منهم المؤمنون بالله، وبموسى ﵇، وبالتوراة.
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: الأقل صلاحاً، وإيماناً.
﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: بالنِّعم، والغنى، والجاه، والأمن، والصحة، وبالشدائد، وقلة الأمن، والخوف، والتشرذم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: عن فسادهم، وطغيانهم، ويتوبون إلى الله.
سورة الأعراف [٧: ١٦٩]
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ
Juz 4, hlm. 227 ›
سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: الخلَف: بفتح اللام تستعمل لمن يأتي بعد من السلف؛ فإن حققوا مثالية السلف؛ يُطلَق عليهم خَلَفٌ، وإن ابتدعوا، وغيَّروا، وخالفوا السلف يعتبروا خلْفاً (بتسكين اللام).
فالعرب تستعمل خَلَفاً: في المدح، والخير، أو الصالح.
وتستعمل خلْفاً: بتسكين اللام في الذم، والسوء، أو الطالح.
وفي هذه الآية: نجد خَلْفاً بسكون اللام؛ أيْ: فَخَلَفَ من بعدهم خَلْف: ذرية سوء، أو ذرية غير صالحة.
﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: أي: التوراة.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: العرض: هو المتاع، والمال؛ كالرشوة، والربا، والسحت، أو الحرام.
الأدنى: من الدنو، أو الدناءة؛ أيْ: عرض هذه الدنيا.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: السين: للاستقبال القريب؛ أيْ: يقولون بعد أن يأخذوه: سيُغفرُ لنا أفعالنا السيئة عن قريب؛ لأنهم يظنون أنهم أبناء الله، وأحباؤه، أو فضّلهم الله على العالمين. وسيغفر لنا: بناء الفعل للمجهول؛ لأنهم يظنون باطلاً أن ذنوبهم كلها مغفورة حتى بدون توبة واستغفار.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على استمرار، وتجدد أفعالهم، وأخذهم الحرام، وأنهم مصرُّون على الحرام، والآثام.
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾: أيْ: من المفروض، بعد الاستغفار، والتوبة، أن يكفوا عن العودة إلى أخذ العرض الأدنى، أخذ المال الحرام، وغيره من الخبائث، ولكنهم سرعان ما يعودون إلى فعل ذلك، المرة تلو المرة.
Juz 4, hlm. 228 ›
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام تقريري، وتوبيخي.
﴿يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾: الكتاب: هو التوراة، والميثاق: هو العهد، المؤكد، الموثق، وقيل: الميثاق في التوراة: هو من ارتكب ذنباً عظيماً، لا يغفر له إلا بالتوبة، والتوبة: تعني عدم الرجوع إلى ارتكاب الذنب مرة أخرى.
﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾: أي: الصدق، وما ورد في التوراة من دون تحريف، أو تبديل.
﴿أَنْ لَا﴾: هذه، أن لا: تجمع معانيَ كثيرة منها:
بألا يقولوا على الله إلا الحق.
في ألا يقولوا على الله إلا الحق.
على ألا يقولوا على الله إلا الحق.
لئلا يقولوا على الله إلا الحق.
﴿أَنْ﴾: مصدرية، أو مفسرة.
﴿لَا﴾: قيل: إنها نافية، وقيل: إنها ناهية.
﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾: قرؤوا التوراة، وفهموا معناها جيداً، ويعرفون أحكامها، ويذكرونها، فلِمَ كذبوا، فقالوا: إن الله سيغفر لهم، وكيف يغفر لهم، وهم مصرُّون على العودة إلى المعاصي، وقول الباطل.
﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: أي: الجنة.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: للذين: اللام: لام الاختصاص، يتقون: المعاصي، والحرام، ويتقون غضب الله، والنار؛ أيْ: يطيعون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه.
Juz 4, hlm. 229 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.