تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
﴿وَمَنْ:﴾ (الواو): حرف استئناف. (من): اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. ﴿يُؤْمِنْ:﴾ فعل مضارع مجزوم مثله، والفاعل يعود إلى (من) أيضا. ﴿صالِحاً:﴾ صفة لمفعول به، أو لمفعول مطلق محذوف، التقدير: ويعمل عملا صالحا.
﴿يُدْخِلْهُ:﴾ مضارع جواب الشرط مجزوم، والفاعل يعود إلى (الله)، والهاء مفعول به أول.
﴿جَنّاتٍ:﴾ مفعول به ثان منصوب، وعلامة نصبه الكسرة... إلخ، وجملة: ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ:﴾ لا محل لها؛ لأنها جملة جواب الشرط، ولم تقترن بالفاء، ولا ب: «إذا» الفجائية، وخبر المبتدأ الذي هو: (من) مختلف فيه، كما رأيت في الأولى رقم [١].
﴿تَجْرِي:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء للثقل. ﴿مِنْ تَحْتِهَا:﴾
متعلقان بما قبلهما، و (ها): في محل جر بالإضافة. ﴿الْأَنْهارُ:﴾ فاعل ﴿تَجْرِي،﴾ والجملة الفعلية في محل نصب صفة ﴿جَنّاتٍ﴾. ﴿خالِدِينَ:﴾ حال من فاعل (يعمل)، أو من الضمير المنصوب، وفاعله مستتر فيه، وانظر الشرح. ﴿فِيها:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿خالِدِينَ﴾. ﴿أَبَداً:﴾ ظرف زمان متعلق ب: ﴿خالِدِينَ﴾ أيضا، وفيه معنى التوكيد للخلود في الجنات.
﴿قَدْ:﴾ حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال. ﴿أَحْسَنَ:﴾ فعل ماض. ﴿اللهِ:﴾ فاعله.
﴿اللهِ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿رِزْقاً:﴾ مفعول به، والجملة الفعلية: ﴿قَدْ أَحْسَنَ..﴾.
إلخ في محل نصب حال ثانية من فاعل (يعمل)، أو من الضمير المنصوب، أو هي حال من الضمير المستتر ب: ﴿خالِدِينَ﴾ فتكون حالا متداخلة.
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)﴾
الشرح: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ:﴾ فهو إخبار عن قدرته التامة، وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثا على تعظيم ما شرع من الدين القويم. قال تعالى في سورة (نوح) على نبينا، وحبيبنا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً،﴾ ومثله في سورة (الملك) رقم [٣]. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي: سبعا أيضا، كما ثبت في الصحيحين: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوّقه من سبع أرضين». روته عائشة-﵂-عن النبي ﷺ. وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال النبي ﷺ: «من أخذ من الأرض شبرا بغير حقّه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين». رواه البخاري، وغيره. وكذا في الحديث الاخر: «ما السموات السبع وما فيهنّ وما بينهنّ، والأرضوان السبع، وما فيهنّ، وما بينهنّ في الكرسيّ إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة». وقال ابن جرير عن ابن عباس-﵄-في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ﴾
Juz 9, hlm. 781 ›
﴿مِثْلَهُنَّ﴾ قال: لو حدثتكم بتفسيرها؛ لكفرتم، وكفركم: تكذيبكم بها. رواه ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس-﵄. انتهى. مختصر ابن كثير بتصرف. وفيه: في سورة (الحديد) ما يلي:
وروى الترمذي عن أبي هريرة-﵁-قال: بينما نبي الله ﷺ جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ: «هل تدرون ما هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال:
«هذا العنان، هذه روايا الأرض، يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه». ثم قال: «هل تدرون ما فوقكم؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «فإنها الرقيع سقف محفوظ، وموج مكفوف». ثم قال: «هل تدرون كم بينكم وبينها؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «بينكم وبينها خمسمئة سنة». ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمئة سنة». حتى عد سبع سموات، ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض. ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السّماء مثل ما بين السماءين ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنها الأرض».
ثم قال: «هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن تحتها أرضا أخرى بينهما مسيرة خمسمئة سنة». حتى عد سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمئة سنة، ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلا إلى الأرض السفلى لهبط على الله».
ثم قرأ قوله تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ». وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف في كتابه. انتهى كلامه. وانظر سورة (الملك) رقم [٣].
أقول: الأبحاث العلمية في الفضاء في هذا الزمن لم تتعدّ العنان المذكور في أول هذا الحديث، والأبحاث العلمية ممنوعة بقدرة الله من اختراق، وتجاوز السماء الأولى، ودليلنا بحمد الله وتوفيقه منع الشياطين من استراق السمع، كما رأيت في سورة (الصافات) رقم [٦] وتراه إن شاء الله تعالى في سورة (الملك) رقم [٥].
تنبيه: قيل: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الاية. وقيل: إن الأرض واحدة، وإن المماثلة ليست في العدد، وإنما هي في الخلق، والإبداع؛ أي: مثلهن في الإبداع والإحكام، والأول أظهر، وأسلم، والله أعلم، وأجل، وأكرم.
﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ:﴾ المراد به: الوحي ينزل من عند الله إلى خلقه من السماء العليا إلى الأرض السفلى. وقيل: هو ما يدبر فيهن من عجائب تدبيره، ينزل المطر، ويخرج النبات،
Juz 9, hlm. 782 ›
ويأتي بالليل والنهار، وبالصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاته، وينقله من حال إلى حال، فيحكم بحياة بعض، وموت بعض، وسلامة هذا، وهلاك ذاك. وقيل: في كل سماء من سمواته، وأرض من أرضيه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه. انتهى.
خازن.
﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لتعلموا، وتوقنوا: أن من قدر على هذا الملك العظيم؛ فهو على ما بينهما من خلقه أقدر، ومن العفو والانتقام أمكن، وإن استوى كل ذلك في مقدوره، ومكنته. ﴿وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي: إنه ﷾ عالم بكل شيء، لا تخفى عليه خافية في السموات السبع، والأرضين السبع، وإنه جلت قدرته، وتعالت حكمته قادر على الإنشاء بعد الإفناء، وكل الكائنات تحت قدرته، وسلطانه لا تخرج عن علمه وإرادته. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
خاتمة: لفظ الأرض لم يرد في القرآن الكريم إلا مفردا، ولم يرد فيه صيغة الجمع (أرضين) ولما احتيج إلى جمعها أخرجها العليم الحكيم على هذه الصورة التي ذهبت بسر الفصاحة والبلاغة، وذهب بها حتى خرجت من الروعة بحيث يسجد لها كل فكر سجدة طويلة. وذلك في قوله جلت قدرته، وتعالت حكمته: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ..﴾. إلخ، ولم يقل: سبع أرضين؛ لأنه يختل بها النظم، وتذهب روعة الفصاحة والبلاغة. انتهى. علوم القرآن للصابوني بتصرف كبير مني.
الإعراب: ﴿اللهُ:﴾ مبتدأ. ﴿الَّذِي:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. ﴿خَلَقَ:﴾ ماض، وفاعله يعود إلى (الذي) وهو العائد.
والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿سَبْعَ:﴾ مفعول به، وهو مضاف، و ﴿سَماواتٍ:﴾
مضاف إليه. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان بفعل محذوف، تقديره: وخلق من الأرض. ﴿مِثْلَهُنَّ:﴾
مفعول به للفعل المحذوف، وعليه فالعطف من عطف الجمل، وإن اعتبرت ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ معطوفا على ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ عطف مفرد على مفرد، فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ تقدم عليه. هذا؛ وقرئ برفع «(مثلهن)» على أنه مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر مقدم، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
﴿يَتَنَزَّلُ:﴾ فعل مضارع. ﴿الْأَمْرُ:﴾ فاعله، والجملة الفعلية مستأنفة، وقال أبو البقاء:
ويجوز أن تكون نعتا، وأقول: يجوز أيضا أن تكون حالا مما قبلها؛ لأن الإضافة فيها نوع تخصيص. ﴿بَيْنَهُنَّ:﴾ ظرف مكان متعلق بما قبله، والهاء في محل جر بالإضافة، والنون حرف دال على جماعة الإناث. ﴿لِتَعْلَمُوا:﴾ فعل مضارع منصوب ب: «أن» مضمرة بعد لام التعليل، وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، و «أن» المضمرة، والفعل المضارع
Juz 9, hlm. 783 ›
Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.