تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
وقولُه: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يقولُ: فبأَمْرِ اللَّهِ قطَعْتم ما قطَعْتم منها (¬١)، وتَرَكْتم ما تَرَكْتم، ولِيَغِيظَ بذلك أعداءَه، ولم يكنْ فسادًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾. أي: فبأَمْرِ اللَّهِ قُطِعَت، ولم يكن فسادًا، ولكن نِقْمَةً مِن اللَّهِ، ولِيُخْزِيَ الفاسقين (¬٢).
وقولُه: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾: ولَيُذِلَّ الخارجين عن طاعةِ اللَّهِ ﷿، المخالفين أمرَه ونهيَه، وهم يهودُ بني النَّضيرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والذي ردَّه اللَّهُ على رسولِه منهم. يعني من أموالِ بني النَّضيرِ، يقالُ منه: فاء الشيءُ على فلانٍ، إذا رجَع إليه، وأَفأْتُه أنا عليه. إذا رَدَدْتُه عليه. وقد قيل: إنه عُنِي بذلك أموالُ قُريظةَ. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يقولُ: فما أَوْضَعْتم فيه مِن خيلٍ ولا إبلٍ. وهي الرِّكابُ. وإنما وصفَ جلَّ ثناؤه الذي أفاءَه على رسولِه منهم بأنَّه لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ؛ من أجْلِ أنَّ
Juz 22, hlm. 512 ›
المسلمين لم يَلْقَوا في ذلك حربًا، ولا كُلِّفوا فيه مُؤْنةً، وإنما كان القومُ معهم وفي بلدِهم، فلم يكنْ فيه إيجافُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآية. يقولُ: ما قطَعْتم إليها واديًا، ولا سِرْتم إليها سيرًا، وإنما كان حوائطُ لبني النَّضيرِ طُعْمَةً أَطْعَمها اللَّهُ رسولَه. ذُكِر لنا أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "أَيُّما قَرْيَةٍ أَعْطَتِ اللَّهَ ورسولَه فهي للَّهِ وَلِرَسولِه، وأيُّما قَرْيَةٍ فَتَحها المسلمون عَنْوةً فإنَّ للَّهِ خُمُسَه وَلِرَسولِه، وما بَقِي غنيمةٌ لِمن قاتل عليها" (¬١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: صالَح النبيُّ ﷺ أهلَ فَدَكَ وقرىً قد سمَّاها لا أحْفَظُها، وهو محاصِرٌ قومًا آخرين، فأرسَلوا إليه بالصُّلْحِ. قال: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. يقولُ: بغيرِ قتالٍ. قال الزهريُّ: فكانت بنو النَّضيرِ للنبيِّ ﷺ خالصةً، لم يَفْتَتِحوها عَنْوةً، بل (¬٢) على صُلْحٍ، فقَسَمها النبيُّ ﷺ بينَ المهاجرين، لم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئًا، إلا رَجُلَيْن كانت بهما حاجةٌ (¬٣).
Juz 22, hlm. 513 ›
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾. يعني بني النَّضيرِ، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (¬١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. قال: يُذَكِّرُهم ربُّهم أنه نصَرهم وكفاهم بغيرِ كُرَاعٍ (¬٢) ولا عُدَّةٍ في قريظةَ وخيبرَ، ما أفاء اللَّهُ على رسولِه من قُريظةَ جعَلَها لمُهاجِرةِ قريشٍ (¬٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: أَمَر اللَّهُ ﷿ نبيَّه بالسيرِ إلى قريظةَ والنَّضيرِ، وليس للمسلمين يومئذٍ كثيرُ خَيْلٍ ولا رِكابٍ، فجعَل ما أصاب رسولُ اللَّهِ ﷺ يَحْكُمُ فيه ما أراد، ولم يكنْ يومئذٍ خيلٌ ولا رِكابٌ يُوجَفُ بها. قال والإيجافُ: أن يُوضِعوا السَّيْرَ، وهي لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ، فكان من ذلك خيبرُ وفَدَكُ وقرًى عَرَبِيةٌ، وأَمَر اللَّهُ رسولَه أن يُعِدَّ ليَنْبُعَ (¬٤)، فأتاهَا رسولُ اللَّهِ ﷺ فاحتواها كلَّها، فقال ناسٌ: هلَّا قَسَمها؟ فأنزَل اللَّهُ
Juz 22, hlm. 514 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.