تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا". فكان أبو ظبية لا يدعها.
وكذا رواه أبو يعلى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن منيب، عن السري [¬١] بن يحيى، عن شجاع، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود به. ثم رواه عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن [منيب العَدَني] [¬٢] عن السري بن يحيى، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا" لم يذكر في سنده "شجاعًا"، قال: وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة (¬٣).
وقد رواه ابن عساكر أيضًا من حديث حجاج بن نصير وعثمان [بن] [¬٣] اليمان، عن السري بن يحيى، [عن شجاع] [¬٤]، عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده، فذكر الحديث بطوله.
قال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب:
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل ويحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب: أنه سمع جابر بن سمُرة يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر "الواقعة" ونحوها من السور (¬٤).
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾
Juz 13, hlm. 346 ›
الواقعة: اسم [¬١] من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾.
وقوله: ﴿لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي: [ليس] [¬٢] لوقوعها إذا أراد الله كونَها صارفٌ يصرفها ولا دافع يدفعها، كما قال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
ومعنى ﴿كَاذِبَةٌ﴾ -كما قال محمد بن كعب-: لا بد أن تكون. وقال قتادة: ليس فيها [مثنوية] [¬٣] ولا ارتداد ولا رجعة.
قال ابن جرير: والكاذبة: مصدر كالعاتبة والعافية.
وقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، أي: تخفض أقوامًا إلى أسفل السافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم [¬٤]، وإن كانوا في الدنيا وُضَعَاء. وهكذا قال الحسن، وقتادة وغيرهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعنى، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: تخفض أناسًا وترفع آخرين (¬٥).
وقال عبيد الله العَتَكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخضاب: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.
وقال محمد بن كعب: تخفض رجالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالًا كانوا في الدنيا مخفوضين.
وقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين.
وقال العَوفي، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: أسمعت القريب والبعيد.
وقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى. وكذا قال
Juz 13, hlm. 347 ›
الضحاك وقتادة.
وقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾، أي: حركت تحريكًا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾، أي: زلزلت زلزالًا.
وقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه.
وهذه كقوله تعالى. (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾، أي: فُتِّتت فَتًّا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ويخرهم. وقال [¬١] ابن زيد: صارت الجبال كما قال تعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾.
وقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾، قال أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الغبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت [¬٢] يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئًا.
وقال عكرمة: المنبث: الذي قد ذرته الريح وبثته. وقال قتادة: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر الذي تذروه [¬٣] الرياح.
وهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونسفها [¬٤] وصيرورتها كالعهن المنفوش.
وقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم [] [¬٥] الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتَون كتبهم [¬٦] بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين. قال السدي: وهم جمهور أهل الجنة. وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمائلهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار -عياذًا بالله من صنيعهم- وطائفة سابقون [¬٧] بين يديه
Juz 13, hlm. 348 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.