تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
الجملة الاتية، التقدير: أئذا متنا... نبعث، ولا يجوز أن يعمل فيها (مبعوثون) لأن ما بعد (إنّ) لا يعمل فيما قبلها، وينبغي أن تعلم: أن (إذا) هنا ظرف مجرد عن الشرطية، فإن تقدير الكلام: (أنبعث إذا...) إلخ وهذا قول غير سيبويه. ﴿وَكُنّا:﴾ (الواو): حرف عطف. (كنا):
فعل ماض ناقص مبني على السكون، (ونا): اسمه. ﴿تُراباً:﴾ خبره، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها، فهي في محل جر مثلها. ﴿وَعِظاماً:﴾ معطوف على ما قبله. ﴿أَإِنّا:﴾ (الهمزة):
حرف استفهام إنكاري. (إنا): (إنّ): حرف مشبه بالفعل، (ونا): اسمها، حذفت نونها، وبقيت الألف دليلا عليها. ﴿لَمَبْعُوثُونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (مبعوثون): خبر إن مرفوع، وعلامة رفعه الواو... إلخ، والجملة الاسمية: ﴿أَإِنّا..﴾. إلخ مؤكدة لما قبلها، والاستفهام فيها مبالغة في الإنكار، وبدون الاستفهام فيها حصل الإنكار بالأولى، وهذه مرتبطة فيها، فالإنكار بالأولى إنكار فيها أيضا، ولا تنس أن الكلام: ﴿أَإِذا مِتْنا..﴾. إلخ كله في محل نصب مقول القول.
﴿أَوَ:﴾ (الهمزة): حرف استفهام أيضا. (الواو): حرف عطف. هذا؛ وقرئ بسكون الواو على أنها (أو) العاطفة المقتضية للشك، وأكثرهم قرأ بفتحها، فمن فتح الواو أجاز في:
﴿آباؤُنَا﴾ وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفا على محل (إنّ) واسمها، والثاني: أن يكون معطوفا على الضمير المستتر في: ﴿لَمَبْعُوثُونَ﴾ واستغنى عن الفصل المطلوب بالفصل بهمزة الاستفهام، ومن سكن الواو تعين فيه الأول دون الثاني على قول الجمهور لعدم وجود الفاصل.
انتهى. جمل نقلا عن السمين في غير هذا الموضع. هذا؛ وعلى تسكين الواو يكون ﴿آباؤُنَا﴾ مبتدأ خبره محذوف، ويكون فحوى الكلام عطف جملة على جملة، التقدير: أنحن نبعث، أو آباؤنا يبعثون؟
﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾
الشرح: ﴿قُلْ:﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ. ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾ يعني: الاباء، والأبناء، بل الأولين، والاخرين من ذرية آدم إلى يوم القيامة. وانظر سورة (التغابن) رقم [٩] فإنه جيد.
﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يعني: إنهم يجمعون، ويحشرون ليوم الحساب، وهو ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والميقات: ما وقت به الشيء؛ أي: حدّ، ومنه مواقيت الإحرام، وهي الحدود؛ التي لا يجاوزها من يريد دخول مكة إلا محرما. هذا؛ وفي سورة (الصافات) رقم [١٨]: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ جواب لمثل هاتين الايتين.
Juz 9, hlm. 455 ›
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ:﴾ عن الهدى، وعن طريق الخير. والخطاب لأهل مكة، وأمثالهم في كل عصر، ومكان. ﴿الْمُكَذِّبُونَ﴾ أي: بالبعث، والحساب، والجزاء... إلخ. ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ:﴾ وهو شجر كريه المنظر، كريه الطعم. ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ أي: يأكلون منها حتى يملؤوا بطونهم، فقد ذكر الله تعالى: أنهم يأكلون من شجر الزقوم؛ التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها مع ما هي عليه من سوء الطعم، ونتن الريح، وخبث الطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها؛ لأنهم لا يجدون طعاما إلا إياها، وما هو في معناها، كما قال تعالى في سورة (الغاشية):
﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾. فقد روي عن ابن عباس-﵄-أن رسول الله ﷺ تلا هذه الاية، وقال: «اتّقوا الله حقّ تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن تكون طعامه؟!» أخرجه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ﴾ أي: شاربون على الزقوم، أو على الأكل، أو على الشجر؛ لأنه يذكر، ويؤنث. هذا؛ وأنث الضمير على المعنى، وذكره على اللفظ في (منها، وعليه) والحميم:
هو الماء المغليّ؛ الذي اشتد غليانه، وهو صديد أهل النار؛ أي: يورثهم حر ما يأكلون من الزقوم مع الجوع الشديد عطشا، فيشربون ماء يظنون أنه يزيل العطش، فيجدونه حميما مغلى.
﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ أي: الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها، و ﴿الْهِيمِ﴾ الإبل يصيبها داء تعطش منه عطشا شديدا، واحدها: أهيم، والأنثى: هيماء. قال ذو الرمة: [الطويل] فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد... صداها ولا يقضي عليها هيامها
ويقال لذلك الداء: الهيام. قال قيس بن الملوّح: [الطويل] يقال به داء الهيام أصابه... وقد علمت نفسي مكان شفائها
وقوم هيم أيضا؛ أي: عطاش، وقد هاموا هياما، ومن العرب من يقول في الإبل: هائم، وهائمة، والجمع: هيم. قال لبيد رضي الله: [الوافر] أجزت إلى معارفها بشعث... وأطلاح من العيديّ هيم
وفي الصحاح: والهيام بالضم: أشد العطش. والهيام: كالجنون من العشق. والهيام: داء يأخذ الإبل، فتهيم في الأرض لا ترعى، ولا تشرب. والهائم من الناس هو الذي يسير في الأرض لا يعلم أين يسير من عشق، أو غيره، هذا إن سلك طريقا مسلوكا، فإن سلك طريقا غير مسلوك فهو: راكب التعاسيف. وهام، يهيم: تحير وتردد. قال تعالى في حق الشعراء الفاسدين في سورة (الشعراء): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾. هذا؛ و ﴿شُرْبَ﴾ يقرأ بضم الشين وفتحها، فهو مصدر، وبالكسر المشروب كالطحن بمعنى المطحون. قال تعالى في سورة
Juz 9, hlm. 456 ›
(الشعراء) رقم [١٥٥]: ﴿هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقال أبو عبيدة: الشّرب بالفتح مصدر، وبالضم، والكسر اسمان. هذا؛ والشّربة بفتح الشين: من الماء ما يشرب مرة، وهي المرة من الشّرب أيضا.
قال الزمخشري-رحمه الله تعالى-: فإن قلت: كيف صح عطف الشاربين على الشاربين، وهما لذوات متفقة، وصفتان متفقتان، فكان للشيء على نفسه؟ قلت: ليستا بمتفقتين؛ من حيث إن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء أمر عجيب، وشربهم له على ذلك كما تشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضا، فكانتا صفتين مختلفتين. انتهى.
أقول: ما أشبه هذا بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ كما رأيت.
﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ:﴾ النزل: ما يهيأ من الطعام، والشراب، والإكرام للنازل تكرمة له، وفيه تهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ قال أبو السعد الضبي، وقد استعار ما يعد للضيف النازل لما يفعله بالأعداء الهاجمين على قومه، وعليه: [الطويل] وكنّا إذا الجبّار بالجيش ضافنا... جعلنا القنا والمرهفات له نزلا
هذا؛ والزقوم: مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها، وهي تحيا بلهب النار، كما تحيا الشجرة في الدنيا بالماء البارد. واختلف فيها: هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا. ومن قال بهذا اختلفوا فيها، فقال قطرب: إنها شجرة مرّة تكون بتهامة من أخبث الشجر، وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل. والقول الثاني: إنها لا تعرف في شجر الدنيا، فلما نزلت هذه الاية، وأمثالها قالت قريش: ما نعرف هذه الشجرة، فقدم عليهم رجل من أفريقية، فسألوه، فقال: هو عندنا الزبد، والتمر. فقال ابن الزّبعرى متهكما: أكثر الله في بيوتنا الزقوم. فقال أبو جهل الخبيث لجاريته:
هاتي زقّمينا، فأتته بزبد وتمر، ثم قال لأصحابه: تزقّموا هذا الذي يخوفنا به محمد، يزعم: أن النار تنبت الشجر، والنار تحرق الشجر، وهذا فحوى قوله تعالى في سورة (الصافات): ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.
الإعراب: ﴿قُلْ:﴾ فعل أمر، وفاعله مستتر فيه وجوبا تقديره: «أنت». ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿الْأَوَّلِينَ:﴾ اسم (إنّ). (الاخرين): معطوف على ما قبله، وعلامة نصبهما الياء نيابة عن الفتحة؛ لأنهما جمعا مذكر سالمان، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد.
﴿لَمَجْمُوعُونَ:﴾ (اللام): هي المزحلقة. (مجموعون): خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو
إلخ. ﴿إِلى مِيقاتِ:﴾ متعلقان بمجموعون، و ﴿مِيقاتِ﴾ مضاف، و ﴿يَوْمٍ﴾ مضاف إليه. ﴿مَعْلُومٍ:﴾
صفة ﴿يَوْمٍ،﴾ والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ..﴾. إلخ في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قُلْ..﴾.
إلخ مستأنفة، لا محل لها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف
Juz 9, hlm. 457 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.