تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
وقولُه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فبأيِّ نعمِ ربِّكما معشرَ الثقلينِ التي أنعَم عليكما بإثابتِه هذا الثوابَ أهلَ طاعتِه - تُكذِّبان؟
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: في هاتين الجنتين عينا ماءٍ تَجْريان خلالَهما،
فبأيِّ آلاءِ ربِّكما تُكذِّبان؟
وقولُه: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فيهما من كلِّ نوعٍ من الفاكهةِ ضَرْبان.
فبأيِّ آلاءِ ربِّكما التي أنعَم بها على أهلِ طاعتِه من ذلك - تُكذِّبان؟
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ولمَن خاف مقامَ ربِّه جَنَّتان يَتَنَعَّمون فيهما، متكِئين على فُرُشٍ. بنصبِ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ على الحالِ من معنى الكلامِ الذي قبلَه - لأَن الذي قبلَه بمعنى الخبرِ عمَّن خاف مَقامَ ربِّه أنه في نَعْمةٍ وسرورٍ يَتَنعَّمون في الجنتين.
وقولُه: ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: بطائنُ هذه الفُرْشِ من غليظِ الديباجِ. والإستبرقُ عندَ العربِ ما غلُظ من الديباجِ وخشُن (¬١).
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من أهلِ البصرةِ (¬٢) يقولُ: يُسَمَّى المتاعُ
Juz 22, hlm. 242 ›
الصِّينيُّ (¬١) الذي ليس في صفاقةِ (¬٢) الديباجِ ولا خِفَّةِ الفِرِنْدِ (¬٣)، إستبرقًا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي إسحاقَ، قال: قال لي سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ: ما الإستبرقُ؟ قال: قلت: ما غلُظ من الديباجِ وخشُن منه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، [عن ابنِ] (¬٤) أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: الديباجِ الغليظِ (¬٥).
وحدَّثنا إسحاقُ بنُ زيدٍ الخطابيُّ، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبيرةَ بنِ يَرِيمَ (¬٦)، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾. قال: قد أُخْبِرْتُم بالبطائنِ، فكيف لو أُخْبِرْتُم بالظواهرِ؟! (¬٧)
حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ اليمانِ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن
Juz 22, hlm. 243 ›
هُبَيرةَ، قال: هذه البطائنُ، فما ظنُّكم بالظواهرِ؟!
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: قيل: هذه البطائنُ من إستبرقٍ، فما الظواهرُ؟ قال: هذا مما قال اللَّهُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ (¬١) [السجدة: ١٧].
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (¬٢) أن البطانةَ قد تكونُ ظِهارةً، والظِّهارةُ تكونُ بطانةً، وذلك أن كلَّ واحدٍ منهما قد يكونُ وجهًا. قال: وقد تقولُ العربُ: هذا ظهرُ السماءِ، وهذا بطنُ السماءِ؛ لظاهرِها الذي نراه.
وقولُه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. يقولُ: وثمرُ الجنتَيْنِ [التي تُجنى] (¬٣) قريبٌ منهم؛ لأنهم لا يَتْعَبون بصعودِ نخلِها وشجرِها لاجتناءِ ثمرِها، ولكنهم يَجْتَنونها من قُعودٍ بغيرِ عناءٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾: ثمارُها دانيةٌ، لا يَرُدُّ أيديَهم عنه بُعْدٌ ولا شَوكٌ (¬٤). ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ قال: "والذي نفسي بيدِه، لا يَقْطَعُ رجلٌ ثمرةً من الجنةِ، فتَصِلَ إلى فيه، حتى يُبَدِّلَ اللَّهُ مكانَها خيرًا منها" (¬٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾. قال: لا يَرُدُّ يدَه بُعدٌ ولا شَوْكٌ (¬٦).
Juz 22, hlm. 244 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.