تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ
· ابن كثير
وخاف وعيده وعقابه.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب، على أن اللام لام كي، أي: وآتيناهَ الإنجيل [] [¬١] ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالجزم، [على أن] [¬٢] اللام لام الأمر، [أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر] [¬٣] باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ … الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾
لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها، وأمر [باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإِنجيل ومدحه، وأمر أهله بإقامته] [¬٤] واتباع ما فيه كما تقدم ييانه - شرع تعالى في ذكر القرآن العطم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنَّه من عند
Juz 5, hlm. 244 ›
الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: من [¬١] الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد ﷺ، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسول الله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة الرسل المتقدمين من مجيء محمد ﵇ ﴿لَمَفْعُولًا﴾ أي: لكائنا لا محالة ولا بد.
وقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال سفيان الثَّوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عبَّاس، أي: مؤتمنًا عليه (¬٤٩٠).
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: المهيمن الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله (¬٤٩١).
وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وعطية، والحسن، وقَتَادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد نحو ذلك.
Juz 5, hlm. 245 ›
وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منهما فهو باطل (¬٤٩٢).
وعن الوالبى، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: شهيدًا. وكذا قال مجاهد، وقَتَادة، والسدي (¬٤٩٣).
وقال العرفي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب (¬٤٩٤).
وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العطم الذي أنزله آخر الكتب، وخاتمها، و [¬١] أشملها، وأعظمها، وأكملها [¬٢]، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا، وأمينا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه [¬٣] بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
فأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وابن أبي نجيح عن مجاهد: أنَّهم قالوا في قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ أمين على القرآن. فإنه صحيح في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر، وبالجملة: فالصحيح الأول. قال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التَّأويلِ بعيد من المفهوم في كلام العرب بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدق صفة له [] [¬٤] ولو كان الأمر [¬٥] كما قال مجاهد، لقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [¬٦] مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ
Juz 5, hlm. 246 ›
Pembahasan ayat ini masih 3 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.