تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
وفي قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. دليلٌ واضحٌ لَمَن وُفِّق لفهمِه، أن الحكمَ الذي ذكرَه اللهُ في المحاربين [يجرى في] (¬١) المسلمين والمُعاهِدين، دونَ المشركين الذين قد نَصَبوا للمسلمين حربًا؛ وذلك أن ذلك لو كان حكمًا في أهلِ الحربِ من المشركين دونَ المسلمين، ودونَ ذِمَّتِهم، لَوَجَب أَلا يُسقِطَ إسلامُهم عنهم - إذا أسلموا أو تابوا بعد قُدْرتِنا عليهم - ما كان لهم قبلَ إسلامِهم وتوبتِهم من القتلِ، وما للمسلمين في أهلِ الحربِ من المشركين. وفي إجماع المسلمين أن إسلام المشركِ الحَرْبيِّ يضعُ عنه بعدَ قُدرةِ المسلمين عليه، ما كان واضِعَه عنه إسلامُه قبلَ القدرةِ عليه، ما يَدُلُّ على أن الصحيحَ مِن القولِ في ذلك قولُ مَن قال: عَنَى بآية المحاربين في هذا الموضعِ حُرَّابَ أهلِ المِلَّةِ أو الذِّمَّةِ دونَ مَن سواهم مِن مشركي أهلِ الحربِ.
وأمَّا قولُه: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فإن معناه: فاعلَموا أيُّها المؤمنون أن اللَّهَ غيرُ مُؤَاخِدٍ مَن تاب مِن أهل الحربِ للهِ ولرسولِه، السّاعين في الأرض فسادًا، وغيرِهم بذنوبِه، ولكنَّه يعفُو عنه فيَسْتُرُها عليه، ولا يَفْضَحُه بها بالعقوبةِ في الدنيا والآخرةِ، رحيمٌ به في عفوِه عنه، وتَرْكِه عقوبتَه عليه.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾.
يَعْنِى جلَّ ثناؤُه بذلك: يا أَيُّها الذين صَدَّقوا الله ورسولَه فيما أخبَرَهم ووعدَ (¬٢)
Juz 8, hlm. 402 ›
مِن الثوابِ، وأَوْعَد مِن العقابِ، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾. يقولُ: أَجِيبُوا اللَّهَ فيما أَمَرَكم ونَهاكم، بالطاعةِ له في ذلك، وحَقِّقوا إيمانَكم وتصديقَكم ربَّكم ونبيَّكم، بالصالحِ من أعمالِكم، ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. يقولُ: واطلُبوا القُرْبةَ إليه بالعملِ بما يُرضِيه (¬١).
والوسيلةُ هي الفعيلةُ، من قول القائل: تَوصَّلتُ إلى فلان بكذا. بمعنى: تَقَرَّبتُ إليه، ومنه قول عَنترَة (¬٢):
إنَّ الرجالَ لهم إليكِ وَسِيلَةٌ … إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي
يَعْنِي بالوسيلةِ القُربةَ.
ومنه قولُ الآخَرِ (¬٣):
إذا غَفَل الواشُون عُدْنا لوَصْلِنا … وعاد التَّصافِي بينَنا والوسائلُ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيرِيُّ، قال: ثنا سُفْيانُ، ح وحدثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا زَيْدُ بنُ الحُبابِ، عن سُفيانَ، عن منصُورٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ في الأعمالِ (¬٤).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، ح وحدَّثنا سُفيانُ، قال: ثنا أَبي، عن طَلْحَةَ،
Juz 8, hlm. 403 ›
عن عَطَاءٍ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ (¬١)، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: فهى المسألةُ والقُربةُ (¬٢).
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. أي: تَقَرَّبوا إليه بطاعتِه والعملِ بما يُرضِيه (¬٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أَبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: القُربةُ إِلى اللَّهِ (¬٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدِ الرزَّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ (¬٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ قوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: القُربةُ (¬٥).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زَيدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: المحبةُ، تَحبَّبوا إلى اللَّهِ. وقرأ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ (¬٥) [الإسراء: ٥٧].
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾.
Juz 8, hlm. 404 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.