تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
الفعلية بعدها صلتها، وجملة (كأنّما... إلخ) في محل رفع خبره، ودخلت الفاء في الخبر؛ لأنّ الموصول يشبه الشرط في العموم، والجملة الاسمية على الاعتبارين في محل رفع خبر (أنّ)، و (أنّ) واسمها وخبرها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به للفعل: ﴿كَتَبْنا﴾.
﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً:﴾ إعراب هذا الكلام مثل سابقه بلا فارق، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها فهي في محل رفع مثلها. ﴿وَلَقَدْ:﴾ انظر إعراب هذه الكلمة في الآية رقم [١٢]. ﴿جاءَتْهُمْ:﴾ فعل ماض، والتاء للتأنيث، والهاء مفعول به.
﴿رُسُلُنا:﴾ فاعله. و (نا) في محل جر بالإضافة. ﴿بِالْبَيِّناتِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محلّ لها، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محلّ له.
﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿إِنَّ:﴾ حرف مشبه بالفعل. ﴿كَثِيراً:﴾ اسم: ﴿إِنَّ﴾ وهو صفة لموصوف محذوف. ﴿مِنْهُمْ:﴾ جار ومجرور متعلقان ب: ﴿كَثِيراً﴾. ﴿بَعْدَ:﴾ ظرف زمان متعلّق ب: (مسرفون) بعده، وهو مضاف، و ﴿ذلِكَ:﴾ مضاف إليه... إلخ. ﴿فِي الْأَرْضِ:﴾
متعلقان ب: (مسرفون) أيضا. ﴿لَمُسْرِفُونَ:﴾ اللام: هي المزحلقة. (مسرفون) خبر (إنّ) مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمّة؛ لأنّه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد، والجملة الاسمية: ﴿إِنَّ كَثِيراً..﴾. إلخ معطوفة على الجملة القسمية، لا محلّ لها مثلها.
﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣)﴾
الشرح: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يحاربون شريعة الله، ودينه، وأولياءه، وهم المؤمنون، فهو على حذف المضاف، وفي الحديث القدسي: «من أهان لي وليّا؛ فقد بارزني بالمحاربة». وعن أبي هريرة-﵁-قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى يقول: من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب». أخرجه البخاريّ، رحمه الله تعالى. ومنه قول الرسول ﷺ: «من آذى جاره؛ فقد آذاني، ومن آذاني؛ فقد آذى الله، ومن حارب جاره؛ فقد حاربني، ومن حاربني؛ فقد حارب الله». رواه ابن حبان عن أنس-﵁.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ أي: بالقتل، وأخذ أموال الناس، وقطع الطريق، وإخافة الناس. ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا..﴾. إلخ: فالقتل لمن قتل فقط. والصّلب لمن قتل، وأخذ المال. والقطع لمن أخذ المال، ولم يقتل. والنفي لمن أخاف النّاس فقط. والقطع من خلاف: أي: تقطع
Juz 3, hlm. 91 ›
أيديهم اليمنى، وأرجلهم اليسرى. والنّفي: هو الإبعاد من بلد إلى آخر، بحيث لا يمكّنون من القرار في موضع، والمقصود من ذلك الإيحاش، والبعد عن الأهل، والوطن، فإذا عيّن الحاكم المسلم جهة؛ فليس للمنفي طلب غيرها، وفسّره أبو حنيفة، ومالك بالحبس، فينفى من سعة الدّنيا إلى ضيقها، فصار كأنّه إذا سجن؛ فقد نفي من الأرض إلاّ من موضع استقراره، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: [الطويل]
خرجنا من الدّنيا ونحن من أهلها... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا
إذا جاءنا السّجّان يوما لحاجة... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدّنيا
حكى مكحول-رحمه الله تعالى-: أنّ عمر-﵁-أوّل من حبس في السّجون، وقال: أحبسه؛ حتى أعلم منه التّوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد، فيؤذيهم. والظاهر: أنّ الأرض في الآية هي أرض النّازلة، وقد تجنّب الناس قديما الأرض التي أصابوا فيها الذّنوب، ومنه حديث الذي قتل تسعا وتسعين.
﴿أَوْ:﴾ في الآية الكريمة للتقسيم، والتنويع، والترتيب، وقيل: إنّها للتّخيير، فالإمام مخيّر بين هذه الأمور، والمعتمد الأوّل. ﴿ذلِكَ﴾ أي: الجزاء المذكور بأنواعه. ﴿لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا:﴾ لهم ذلّ، وهوان، وفضيحة، ونكال في هذه الحياة الدنيا مع ما ادّخر الله لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وهذا يؤيد قول من قال: إنّها نزلت في المشركين، فأمّا أهل الإسلام؛ ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت-﵁-قال: «أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النّساء: ألاّ نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل، ولا يعضه بعضنا بعضا-يرمي غيره بالإفك، والكذب، والبهتان-قال: فمن وفى منكم؛ فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئا، فعوقب؛ فهو كفّارة له، ومن ستره الله؛ فأمره إلى الله إن شاء عذّبه، وإن شاء عفا عنه».
وعن عليّ-كرّم الله وجهه-قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصاب في الدّنيا ذنبا، فعوقب به؛ فالله أعدل من أن يثنّي عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبا في الدّنيا، فستره الله عليه؛ فالله أكرم من أن يعود عليه في شيء قد عفا عنه». رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجة برقم [٢٦٠٤].
وقال ابن جرير: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا، فلهم في الآخرة مع الجزاء الّذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي فرضتها عليهم عذاب عظيم في الآخرة. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
تنبيه: نزلت الآية الكريمة في ثمانية أشخاص من قبيلتي عكل، وعرينة، قدموا المدينة المنورة، وأظهروا الإسلام نفاقا، فأقاموا فيها أياما، فمرضوا؛ لأنّ المدينة لا تقبل من كان في
Juz 3, hlm. 92 ›
قلبه دخن، بل تنفيه، فشكوا إلى رسول الله ﷺ: فرخّص لهم أن يأتوا إبل الصّدقة، فشربوا من ألبانها، وأبوالها، ولمّا صحّوا، وشفوا؛ قتلوا راعي الإبل، واستاقوا الإبل، وكانت خمسة عشر بعيرا، وكان الرّاعي عبدا لرسول الله ﷺ، واسمه: يسار، وكان نوبيّا، فأرسل الرّسول ﷺ في طلبهم عشرين فارسا، أميرهم كرز بن جابر الفهري-﵃ أجمعين-، فأدركوهم، وأتوا بهم إلى رسول الله ﷺ، فأمر بهم فسمرت أعينهم، وقطعت أيديهم، وأرجلهم، وتركوا في الحرّة يعضون الحجارة من شدّة العطش، ويستسقون، فلا يسقون حتّى ماتوا، وسمر الأعين معناه: أنّه أحمى مسامير الحديد، وكحل بها أعينهم؛ حتّى ذهب ضوؤها، وهذا الفعل وإن كان من قبيل المثلة المحرّمة، لكن فعله النبي ﷺ إمّا قبل التحريم، أو لأنّهم فعلوا بالرّاعي مثل هذا الفعل.
تنبيه: خصوص السبب لا يمنع تعميم الحكم. فالحكم باق إلى يوم القيامة، فكلّ من آذى المسلمين بقتل، أو سلب مال، أو إخافة يستحق العقوبة الّتي قرّرتها الآية الكريمة، ويطلق على من يفعل ذلك اسم: البغاة، وهذا الحكم ممّا اختصت به سورة (المائدة) فلم يذكر في غيرها.
الإعراب: ﴿إِنَّما:﴾ كافة، ومكفوفة. ﴿جَزاءُ:﴾ مبتدأ، وهو مضاف، و ﴿الَّذِينَ:﴾ اسم موصول مبني على الفتح في محل جر بالإضافة. ﴿يُحارِبُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون، والواو فاعله. ﴿اللهَ:﴾ منصوب على التعظيم، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محلّ لها. ﴿وَرَسُولَهُ:﴾ معطوف على لفظ الجلالة، والهاء في محل جر بالإضافة، وجملة:
﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ:﴾ معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها. ﴿فَساداً:﴾ مفعول لأجله، وقيل: هو مصدر وقع موقع الحال بمعنى: يفسدون، أو ذوي فساد، أو هو مفعول مطلق، عامله الفعل قبله؛ لأنّه بمعنى: يفسدون، و «فساد» اسم مصدر. ﴿أَنْ:﴾ حرف مصدري، ونصب.
﴿يُقَتَّلُوا:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ب: ﴿أَنْ﴾ وعلامة نصبه حذف النون، والواو نائب فاعله، والألف للتفريق، وما بعده معطوف عليه، وقد قرئ بتخفيف الأفعال الثلاثة، والمصدر المؤوّل من الفعل، وناصبه في محلّ رفع خبر المبتدأ، الذي هو: ﴿جَزاءُ﴾ فهو إخبار بمصدر عن مصدر، التقدير: إنّما جزاء... إلخ التقتيل، والجملة الاسمية مستأنفة، أو مبتدأة، لا محلّ لها على الاعتبارين. ﴿أَيْدِيهِمْ:﴾ نائب فاعل ل: ﴿تُقَطَّعَ﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمّة مقدّرة على الياء للثقل. ﴿وَأَرْجُلُهُمْ:﴾ معطوف على ما قبله، والهاء فيها في محلّ جرّ بالإضافة.
﴿مِنْ خِلافٍ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ،﴾ بمعنى: مختلفة. ﴿أَوْ:﴾
حرف عطف. ﴿يُنْفَوْا:﴾ فعل مضارع معطوف على ما قبله، وهو مثله في إعرابه. ﴿مِنَ الْأَرْضِ:﴾ متعلقان به، وحذفت الصّفة، التقدير: من الأرض التي يريدون الإقامة فيها.
﴿ذلِكَ:﴾ اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. (لهم): جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم. ﴿خِزْيٌ:﴾ مبتدأ مؤخّر،
Juz 3, hlm. 93 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.