مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿٣٢﴾
تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
· ابن جرير الطبري
بالخير منهما" (¬١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إِن اللَّهَ ضَرَب لَكُمُ ابْنَيْ آدمَ مثَلًا، فخُذوا مِن خيرِهم، ودَعُوا الشرَّ" (¬٢).
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾: مِنْ جَرِّ ذلك وجَرِيرَتِه وجنايته. يقولُ: مِن جَرَّ القاتلِ أخاه من ابْنَيْ آدمَ اللذَيْنِ اقْتَصَصْنا قصتَهما - الجريرةَ التي جَرَّها، وجنايتِه التي جَناها، ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
يقالُ منه: أَجَلْتُ هذا الأمرَ. أي: جَرَرْتُه إليه، وكسَبْتُه. أجلُه له أَجْلًا، كقولِك: أخَذْتُه أخْذًا. ومن ذلك قولُ الشاعر (¬٣):
وأهل خباءٍ صالحٍ ذاتُ بينِهمْ … قد احْتَرَبوا في عاجلٍ أنا آجِلُه
يعنى بقولِه: أنا آجِلُه: أنا الجارُّ ذلك عليهم والجاني.
فمعنى الكلام: من جنايةِ ابن آدمَ القاتلِ أخاه ظلمًا، حَكَمْنا على بني إسرائيلَ أنه من قتَل منهم نفسًا ظلمًا بغيرِ نفسٍ قُتِلَتْ، فقتَل بها قِصاصًا، ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي
Juz 8, hlm. 347 ›
الْأَرْضِ﴾. يقولُ: أو قتَل منهم نفسًا بغيرِ فسادٍ كان منها في الأرضِ، فاسْتَحَقَّتْ بذلك قَتْلَها، وفسادُها في الأرض إنما يكونُ بالحربِ الله ولرسولِه وإخافةِ السبيلِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثني عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. يقولُ: من أجلِ ابن آدمَ الذي قتَل أخاه ظلمًا (¬١).
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتَل الناسَ جميعًا، ومن شدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيا الناسَ جميعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو عمارٍ حسينُ بنُ حُرَيثٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسينِ بن واقدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. قال: مَن شَدَّ على عَضُدِ نبيٍّ، أو
Juz 8, hlm. 348 ›
إمامِ عَدْلٍ، فكأنما أحيَا الناسَ جميعًا، ومن قتَل نبيًّا، أو إمامَ عَدْلٍ، فكأنما قتل الناسَ جميعًا (¬١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. يقولُ: مَن قتَل نفسًا واحدةً حرَّمْتُها، فهو مِثْلُ مَن قتَل الناسَ جميعًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. يقولُ: مَن ترَك قَتْل نفسٍ واحدةٍ حرَّمْتُها مخافتى، واسْتَحْيَا (¬٢) أَن يَقْتُلَها، فهو مثلُ استحياء الناس جميعًا. يعنى بذلك الأنبياءَ (¬٣).
وقال آخرون: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عند المقتولِ في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ عندَ المُسْتَنْقَذِ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، فيما ذكَر عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ رسول الله ﷺ قوله: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: عند المقتول، يقولُ: في الإثم، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ فَاسْتَنْقَذَها (¬٤) من هَلَكَةٍ، ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
Juz 8, hlm. 349 ›
Pembahasan ayat ini masih 9 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.