فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
﴿وَأَقْسِطُوا﴾ أمر باستعمال القسط على طريق العموم، بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله على عقب النهى عن التقديم بين يديه.
والقسط -بالفتح-: الجور؛ من القَسط، وهو اعوجاج في الرجلين، وعود قاسط: يابس، وأقسطته الرياح. وأمّا القِسط بمعنى: العدل، فالفعل منه: أقسط، وهمزته للسلب، أي: أزال القسط، وهو الجور.
[﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١٠]
هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله -من السبب القريب والنسب اللاصق- ما إن لم يفضل الأخوّة ولم يبرز عليها، لم ينقص عنها، ولم يتقاصر عن غايتها.
ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد، لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول؛
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله): وقال فيه: "هذا كما تقول لمن يقارب بعض الرذائل: لا تفعل هذا، وتحفظ مما يلصق بك العار".
فعلى هذا قوله: ﴿وأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ من عطف العام على الخاص، أو تذييل للسابق وتقرير له، وقوله: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ تعليل للأمر بالإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين، ولما كان التعليل إنما يؤتى به، فيثبت المعلل ويقرره، قال: "هذا تقرير لما ألزمه من تولي الإصلاح".
قوله: (ما أن لم يفضل): "ما": بمعنى: شيء، و"إن": شرطية، والجواب: "لم ينقص"، والجملة مفعول "عقد".
قوله: (ولم يبرز): لم يفق، الأساس: "برز على الغاية وعلى الأقران".
Juz 14, hlm. 484 ›
مشيًا بالصلح، وبثا للسفراء بينهما، إلى أن يصادف ما وهى من الوفاق من يرقعه، وما استشن من الوصال من يبله، فالأخوة في الدين أحق بذلك وبأشدّ منه. وعن النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ما وهى): مفعول "يصادف"، والفاعل: "وقدم المفعول ليعود الضمير في "من يرقعه" إليه، و"وهى" صلة "ما"، ما راعى المناسبة بين "وهى" وبين "يرقعه"، إذ لو قال: "ما خرق ويرقعه"، أو "وهى وقوى"، كان أحسن، راعى بين "استثن" و"يبله".
قوله: (استثن): النهاية: "في حديث عمر بن عبد العزيز: "إذا استثن ما بينك وبين الله فابلله بالإحسان إلى عباده"، أي: إذا أخلق"، ومنه: شنان القربة.
قوله: (من يبله): من قوله صلوات الله عليه: "بلوا الأرحام ولو بالسلام"، أي: بروها بصلتها، وهم يطلقون النداوة على الصلة، كما يطلقون اليبس على القطيعة.
قوله: (المسلم أخو المسلم): الحديث: من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا_ ثلاثًا_، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل
Juz 14, hlm. 485 ›
ولا يخذله، ولا يعيبه، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عنه الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره»، ثم قال: «احفظوا، ولا يحفظ منكم إلا قليل».
فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجميع؟ قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم، لأنّ الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين. وقيل: المراد بالأخوين: الأوس والخزرج.
وقرئ: "بين إخوتكم" و"إخوانكم"،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسلم على المسلم حرام، دمه وعرضه وماله، إلى الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم".
قوله: (بقتار قدره): الجوهري: "القتار: ريح الشواء، وقد قتر اللحم يقتر_ بالكسر_: إذا ارتفع قتاره".
قوله: (وقرئ: "بين إخوتكم وإخوانكم"): قال ابن جني: "قرأ زيد بن ثابت وابن مسعود والحسن_ بخلاف_: "إخوانكم"، وهي تدل على أن قراءة العامة التي هي: ﴿بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾: لفظها لفظ التثنية، ومعناها: الجماعة، أي: كل اثنين فصاعدًا من المسلمين اقتتلا، والإضافة لمعنى الجنس، نحو قولهم: لبيك وسعديك، فليس المراد به إجابتين اثنتين، ولا إسعادين اثنين، ألا ترى إلى الخليل كيف فسره بقوله: كلما كنت في أمر فدعوتني أجبتك إليه، وساعدتك عليه. ونحوه في إفادة المضاف لمعنى الجنسية: قولهم: منعت العراق قفيزها ودرهمها، أي: قفزانها ودراهمها".
Juz 14, hlm. 486 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.