التفسير المنير - الزحيلي
· وهبة الزحيلي
الله وطاعته، فما على الرسول إلا الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وعدم استعجال العذاب.
إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته ووقوع الحشر
والرد على عبدة الأوثان
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)﴾
الإعراب:
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ﴾ مبتدأ وخبر.
﴿ماذا خَلَقُوا﴾ مفعول به ثان ل ﴿أَرُونِي﴾.
البلاغة:
﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ صيغة مبالغة.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ فيه مجازان، حيث أطلق الرؤيا وأراد الإخبار، والعلاقة السببية، واستعمل
Juz 26, hlm. 7 ›
همزة الاستفهام في الأمر، لأن كلاّ من الاستفهام والأمر يدل على الطلب، و ﴿أَرُونِي﴾ توكيد لأرأيتم.
﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أمر يراد به التعجيز.
﴿يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ﴾ بينهما جناس اشتقاق.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، أي لا أحد أبعد عن الحق وأقرب إلى الجهل ممن يدعو الأصنام من دون الله، فيتخذها آلهة ويعبدها، وهي إذا دعيت لا تسمع.
المفردات اللغوية:
﴿حم﴾ هذه الحروف المقطعة للدلالة على إعجاز القرآن وتحدي العرب في أنه منظوم من حروفهم الهجائية، وللتنبيه على خطورة ما يتلى في السورة ﴿الْكِتابِ﴾ القرآن الكامل في كل شيء، وإنما كرر مع بداية السورة السابقة لتأكيد مدلول الكتابة ﴿الْعَزِيزِ﴾ القوي القاهر في ملكه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في تدبيره وصنعه، يضع كل أمر في موضعه ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ أي إلا خلقا ملازما للحق:
وهو ما تقتضيه الحكمة والعدل، للدلالة على قدرة الله ووحدانيته، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم والبعث للجزاء والحساب ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي بتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل، وهو يوم القيامة ﴿أُنْذِرُوا﴾ خوّفوا به من العذاب ﴿مُعْرِضُونَ﴾ مدبرون، لا يتفكرون فيه ولا يستعدون له.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها ﴿ما تَدْعُونَ﴾ تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأصنام ﴿أَرُونِي﴾ أخبروني، وهو تأكيد لما سبق من طلب الإخبار ﴿أَمْ﴾ همزة الإنكار ﴿شِرْكٌ﴾ نصيب ومشاركة ﴿فِي السَّماواتِ﴾ مشاركة مع الله في خلق السموات ﴿اِئْتُونِي بِكِتابٍ﴾ منزّل ﴿مِنْ قَبْلِ هذا﴾ أي القرآن ﴿أَوْ أَثارَةٍ﴾ بقية ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ يؤثر ويروى عن الأولين بصحة دعواكم في عبادة الأصنام أنها تقرّبكم إلى الله ﴿صادِقِينَ﴾ في دعواكم.
﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي لا أحد ﴿يَدْعُوا﴾ يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ غيره، وهم الأصنام، لا يجيبون عابديهم إلى شيء يسألونه أبدا ﴿وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ﴾ عبادتهم ﴿غافِلُونَ﴾ لأنهم جماد لا يعقلون أو عباد مشتغلون بأحوالهم.
﴿حُشِرَ النّاسُ﴾ جمعوا يوم القيامة ﴿كانُوا﴾ أي الأصنام ﴿لَهُمْ﴾ لعابديهم ﴿بِعِبادَتِهِمْ﴾ بعبادة عابديهم ﴿كافِرِينَ﴾ جاحدين.
Juz 26, hlm. 8 ›
التفسير والبيان:
﴿حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي إنه تعالى كما بدأ سورة الجاثية هو الذي أنزل القرآن على عبده ورسوله محمد ﷺ، وليس من عند محمد ﷺ كما يزعم المشركون، وهو مع هذا التنزيل موصوف بالعزة التي لا يفوقها شيء، فهو القوي القاهر الذي لا يغلب، وهو الحكيم في تدبيره وصنعه وأقواله وأفعاله، يضع كل أمر في موضعه. وإذا كان الأمر كذلك، فما على الناس إلا الإيمان بالقرآن والتصديق بما جاء فيه، والإيمان بصدق محمد ﷺ في نبوته، وفيما دعا إليه من التوحيد الخالص، وإثبات البعث والجزاء، ودعوة الناس إلى سعادة الدنيا والآخرة، والأخلاق الكاملة النافعة.
﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى، وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي ما أوجدنا وأبدعنا السموات العلا، والأراضي السفلى وما بينهما من سائر المخلوقات إلا خلقا ملتبسا بالحق الذي تقتضيه المشيئة الإلهية، وليس على وجه العبث والباطل، فليس خلقها عبثا ولا باطلا.
وقد خلقناها إلى مدة معينة محددة لا تزيد ولا تنقص، وهي يوم القيامة، فإن السموات والأرضين والمخلوقات تنتهي، وتتبدل السموات والأرض بغيرها.
أما الذين جحدوا بالله، بالرغم من هذه الأدلة، ومن إنزال الكتب، وإرسال الرسل، فهم لا هون عما يراد بهم، مولّون عما خوّفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء، غير مستعدين له، وسيعلمون غب ذلك وعاقبته.
وبعد إثبات وجود الإله ووقوع الحشر والبعث يوم القيامة، ردّ الله تعالى على عبدة الأوثان بقوله:
﴿قُلْ: أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ
Juz 26, hlm. 9 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.