تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة
· محمد علي طه الدرة
بعده جملة مقدرة؛ أي: بلى هو الحق الذي وعدنا به رسل الله. ﴿وَرَبِّنا:﴾ جار ومجرور متعلقان بفعل محذوف، تقديره: نقسم بربنا، و (نا): ضمير متصل في محل جر بالإضافة، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله، وفاعله مستتر فيه، والكلام في محل نصب مقول القول، وجملة:
﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ مستأنفة لا محلّ لها. ﴿قالَ:﴾ فعل ماض، والفاعل يعود إلى (الله).
﴿فَذُوقُوا:﴾ الفاء: صلة، أو هي الفصيحة، أفصحت عن شرط مقدر، التقدير: وإذا كان ذلك واقعا بكم؛ فذوقوا... إلخ. (ذوقوا): فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله.
﴿الْعَذابَ:﴾ مفعول به. ﴿بِما:﴾ الباء: حرف جر. (ما): مصدرية. ﴿كُنْتُمْ:﴾ فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه، وجملة: ﴿تَكْفُرُونَ﴾ في محل نصب خبره، و (ما) المصدرية والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالباء، والجار والمجرور متعلقان بالفعل: (ذوقوا)، وهذه الجملة على الوجهين المعتبرين في الفاء في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿قالَ..﴾.
إلخ، مستأنفة لا محلّ لها.
﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾
الشرح: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ:﴾ الخطاب للنبي ﷺ، أمره الله تعالى بالاقتداء بأولي العزم من الرسل في الصبر على أذى قومه. قال ابن عباس-﵄:
ذوو الحزم. وقال الضحاك-رحمه الله تعالى-: ذوو الجد، والصبر. واختلفوا في أولي العزم من الرسل من هم؟ فذكر الخازن، والقرطبي أقوالا كثيرة، والمعتمد ما قاله ابن عباس، وقتادة ﵄: هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى أصحاب الشرائع، فهم مع محمد ﷺ أجمعين خمسة، وقد ذكرهم الله على التخصيص، والتعيين في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ الاية رقم [٧] من سورة (الأحزاب)، وفي قوله جلّ ذكره في سورة (الشورى) رقم [١٣]: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.
روى البغوي بسنده عن عائشة-﵂-قالت، قال لي رسول الله ﷺ: «يا عائشة! إنّ الدنيا لا تنبغي لمحمّد، ولا لال محمّد، يا عائشة! إن الله لم يرض من أولي العزم إلاّ بالصّبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ولم يرض إلاّ أن كلّفني ما كلّفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وإنّي والله، ولا بدّ لي من طاعته، والله لأصبرنّ كما صبروا! ولأجهدنّ! ولا قوّة إلاّ بالله!». ﴿وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ:﴾ يعني: اصبر على أذاهم، ولا تستعجل بنزول العذاب عليهم، فإنه نازل بهم لا محالة. كأنه ﷺ ضجر بعض الضجر، فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى
Juz 9, hlm. 61 ›
منهم، فأمره الله بالصبر، وترك الاستعجال. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب في الاخرة. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا:﴾ في الدنيا، أو في القبور. ﴿إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ﴾ يعني: أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا، أو في القبور كأنه قدر ساعة من نهار؛ لأنّ ما مضى، وإن كان طويلا؛ فهو يسير إلى ما يدوم عليهم من العذاب، وهو أبد الابدين بلا انقطاع، ولا فناء.
وانظر ما ذكرته في سورة (الروم) [٥٥] فإنه جيد جدا. ﴿بَلاغٌ﴾ أي: هذا القرآن، وما فيه من البينات، والهدى بلاغ من الله إليكم. والبلاغ بمعنى: التبليغ. ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ أي: لا يهلك بالعذاب. ﴿إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن الإيمان بالله وطاعته. قال الزجاج: تأويله لا يهلك مع رحمة الله، وفضله إلاّ القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الاية، والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
هذا فقد نهى الله رسوله ﷺ عن استعجال العذاب لقومه، وقد قال تعالى في سورة (المزمل): ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ وقال جلّ ذكره في سورة (الطارق): ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ ومثل الاية قوله جلّ وعلا في سورة (يونس) رقم [٤٥]: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ وقال في آخر سورة (النازعات): ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾.
فائدة: قال ابن عباس-﵄: إذا عسر على المرأة ولدها، تكتب هاتين الايتين والكلمتين في صحيفة، ثم تغسل، وتسقى منها، وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلاّ الله العظيم الحليم الكريم، سبحان الله ربّ السموات، وربّ الأرض، وربّ العرش العظيم» ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ..﴾. إلخ. انتهى. قرطبي.
الإعراب: ﴿فَاصْبِرْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (اصبر): فعل أمر، وفاعله مستتر تقديره:
«أنت»، والجملة الفعلية مستأنفة لا محلّ لها. ﴿كَما:﴾ الكاف: حرف تشبيه وجر. (ما):
مصدرية. ﴿فَاصْبِرْ:﴾ ماض. ﴿أُولُوا:﴾ فاعل مرفوع، وعلامة رفعه الواو نيابة عن الضمة؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، وحذفت النون للإضافة، و ﴿أُولُوا﴾ مضاف، و ﴿الْعَزْمِ﴾ مضاف إليه.
﴿مِنَ الرُّسُلِ:﴾ متعلقان بمحذوف حال من: ﴿أُولُوا الْعَزْمِ،﴾ و (ما) المصدرية، والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالكاف، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة مفعول مطلق، التقدير: اصبر صبرا مثل صبر أولي العزم، وهذا ليس مذهب سيبويه، وإنما مذهبه في مثل هذا التركيب أن يكون منصوبا على الحال من المصدر المضمر المفهوم من الفعل المتقدم. وإنما أحوج سيبويه إلى هذا؛ لأنّ حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه لا يجوز إلا في مواضع محصورة، وليس هذا منها، وجملة: (اصبر...) إلخ مستأنفة لا محلّ لها، وعند التأمل يتبين لك: أنّ الجملة جواب شرط يقدر ب: «إذا»؛ أي: إذا كان عاقبة الكفار ما ذكر؛ فاصبر على أذاهم... إلخ، والكلام كله مستأنف، لا محلّ له.
Juz 9, hlm. 62 ›
﴿وَلا:﴾ الواو: حرف عطف. (لا): ناهية. ﴿تَسْتَعْجِلْ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: (لا)، والفاعل تقديره: «أنت». ﴿لَهُمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والجملة الفعلية معطوفة على ما قبلها لا محلّ لها مثلها على الوجهين المعتبرين فيها، والمفعول محذوف؛ إذ التقدير: ولا تستعجل لقومك نزول العذاب. ﴿كَأَنَّهُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والهاء اسمها. ﴿يَوْمَ:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ الاتي. ﴿يَرَوْنَ:﴾ فعل مضارع مرفوع... إلخ، والواو فاعله. ﴿كَما:﴾ اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ﴿يُوعَدُونَ:﴾ مضارع مبني للمجهول مرفوع... إلخ، والواو نائب فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد محذوف، التقدير:
الذي يوعدونه، والجملة الفعلية: ﴿يَرَوْنَ..﴾. إلخ، في محل جر بإضافة ﴿يَوْمَ﴾ إليها.
﴿لَمْ:﴾ حرف نفي، وقلب، وجزم. ﴿يَلْبَثُوا:﴾ فعل مضارع مجزوم ب: ﴿لَمْ﴾ وعلامة جزمه حذف النون... والواو فاعله. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر. ﴿ساعَةً:﴾ ظرف زمان متعلق بالفعل قبله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر: ﴿كَأَنَّهُمْ،﴾ والجملة الاسمية هذه مستأنفة لا محلّ لها، وفيها معنى التعليل للنهي، واعتبارها في محل نصب حال لا بأس به. ﴿مِنْ نَهارٍ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة: ﴿ساعَةً﴾. ﴿بَلاغٌ:﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير: هذا بلاغ، ويؤيده قوله تعالى في آخر سورة (إبراهيم): ﴿هذا بَلاغٌ،﴾ وقيل: مبتدأ خبره محذوف، وهو ضعيف جدا. هذا؛ وقرئ بنصبه شاذا على اعتباره صفة: ﴿ساعَةً،﴾ أو هو مفعول مطلق لفعل محذوف. التقدير: بلغ بلاغا، وقرئ أيضا شاذا بجره على أنه صفة: ﴿نَهارٍ﴾. ﴿فَهَلْ:﴾ الفاء: حرف استئناف. (هل):
حرف استفهام معناه النفي. ﴿يُهْلَكُ:﴾ فعل مضارع مبني للمجهول. ﴿إِلاّ:﴾ حرف حصر.
﴿الْقَوْمُ:﴾ نائب فاعل، وقرئ الفعل بالبناء للمعلوم، ونصب «(القوم)»، وعليه فالفاعل يعود إلى (الله)، ويقرأ «(الفاسقين)» تبعا لنصب «(القوم)». تأمل، وتدبر، والله أعلم، وأجلّ، وأكرم، وصلّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم.
انتهت بحمد الله وتوفيقه سورة (الأحقاف) شرحا وإعرابا والحمد لله رب العالمين.
Juz 9, hlm. 63 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.