سورة الزّخرف
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ سورة (الزخرف)، وهي مكية بإجماع. وقال مقاتل: إلا قوله: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا..﴾. إلخ رقم [٤٥] وهي تسع وثمانون آية، وألف وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وأربعمئة حرف. انتهى. خازن، وسميت سورة (الزخرف) لما فيها من التمثيل الرائع لمتاع الدنيا الزائل، وبريقها الخادع بالزخرف اللامع، الذي ينخدع به الكثيرون، مع أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولهذا يعطيها الله للأبرار والفجار، وينالها الأخيار، والأشرار. أمّا الآخرة فلا يمنحها الله إلاّ لعباده المتقين، فالدنيا دار الفناء، والآخرة دار البقاء. انتهى. صفوة التفاسير.
هذا؛ وقال الرسول ﷺ: «وإنّ الله ﷿ يعطي الدنيا من يحبّ ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلاّ لمن أحبّ، فمن أعطاه الدّين؛ فقد أحبّه». من حديث ابن مسعود-﵁.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)﴾
الشرح: ﴿حم:﴾ انظر أول سورة (غافر). ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ أي: المبيّن الحق من الباطل، والحلال من الحرام، والنافع من الضار، فأقسم الله بالكتاب، وهو القرآن الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلال، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة. وقيل: معنى ﴿الْمُبِينِ﴾ الواضح للمتدبرين.
الإعراب: ﴿حم:﴾ انظر سورة (غافر) لإعرابه، وأضيف هنا: أنّه قيل: ﴿حم:﴾ قسم.
﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ:﴾ قسم ثان، ولله أن يقسم بما شاء، والجواب: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾. وقال ابن الأنباري: من جعل جواب ﴿وَالْكِتابِ﴾ ﴿حم﴾ -كما تقول: نزل والله، وجب والله-وقف على: ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. ومن جعل جواب القسم: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ لم يقف على: ﴿وَالْكِتابِ الْمُبِينِ﴾. انتهى. قرطبي.
وقال البيضاوي: أقسم بالقرآن على أنّه جعله قرآنا عربيا، وهو من الأيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم، والمقسم عليه، ولعلّ إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وبالقرآن من حيث إنّه معجز عظيم، مبيّن طرق الهدى، وما يحتاج إليه في الديانة، أو بيّن للعرب يدلّ على أنّه تعالى صبّره كذلك. انتهى. بتصرف.
Juz 8, hlm. 563 ›
﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾
الشرح: هذه الآية مذكورة في سورة (يوسف) رقم [٢] بحروفها مع إبدال ﴿جَعَلْناهُ﴾ هنا بأنزلناه هناك. هذا؛ و (قرآن) مشتق من: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، فكأنه قد جمع فيه الحكم، والمواعظ، والآداب، والقصص، والفروض، وجميع الأحكام، وكملت فيه جميع الفوائد الهادية إلى طرق الرشاد. وهو في اللغة مصدر بمعنى: الجمع، يقال: قرأت الشيء قرآنا: إذا جمعته. وبمعنى: القراءة، يقال: قرأت الكتاب قراءة، وقرآنا، ثم نقل إلى هذا المجموع المقروء المنزل على الرسول ﷺ، المنقول عنه بالتواتر فيما بين الدفتين، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة (الناس). وهذا التعريف متفق عليه بين العلماء، والأصوليين، أنزله الله ﵎ ليكون دستورا للأمة، وهداية للخلق، وليكون آية على صدق الرسول، وبرهانا ساطعا على نبوته، ورسالته، وحجة قائمة إلى يوم الدين، تشهد بأنه تنزيل الحكيم الحميد، بل هو المعجزة الخالدة؛ التي تتحدى الأجيال والأمم على كرّ الأزمان، ومرّ الدهور، ولله درّ شوقي إذ يقول: [البسيط]
جاء النبيون بالآيات فانصرمت... وجئتنا بكتاب غير منصرم
آياته كلما طال المدى جدد... يزينهنّ جمال العتق والقدم
وللقرآن أسماء عديدة كلها تدل على رفعة شأنه، وعلو مكانته، وعلى أنه أشرف كتاب سماوي على الإطلاق، فيسمى: القرآن، والفرقان، والتنزيل، والذكر، والكتاب... إلخ. كما وصفه الله ﵎ بأوصاف جليلة عديدة، منها: نور، وهدى، ورحمة، وشفاء، وموعظة، وعزيز، ومبارك، وبشير، ونذير إلى غير ذلك من الأوصاف التي تشعر بعظمته، وقدسيته. ويحرم على المحدث حدثا أكبر قراءته وحمله، ومسه، وعلى المحدث حدثا أصغر حمله، ومسه، ولا يمنع من قراءته عن ظهر قلب. قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾.
هذا؛ وقال تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ﴾ .. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: بلغتكم يا معشر قريش لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه، فعلى هذا يكون خاصا للعرب دون العجم. قاله ابن عيسى.
وقال ابن زيد: المعنى: لعلكم تتفكرون، فعلى هذا يكون خطابا عاما للعرب، والعجم. ويؤخذ من هذه الآية أنّه يجوز إطلاق اسم القرآن على بعضه؛ لأنّ سورة (الزخرف) وسورة (يوسف) على نبينا، وعليه ألف صلاة، وألف سلام بعض القرآن، ولأنه اسم جنس يقع على الكل، والبعض. واختلف: هل يمكن أن يقال: في القرآن شيء بغير العربية، فأنكر أبو عبيدة على من يقول ذلك أشد النكير، وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة-﵃-أنّ فيه من
Juz 8, hlm. 564 ›
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.