تفسير ابن جزي التسهيل لعلوم التنزيل - ط طيبة الخضراء
· ابن جزي الكلبي
(سورة الشورى)
[﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾].
﴿عسق﴾ الكلام فيه كسائر حروف الهجاء حسبما تقدَّم في «البقرة» (¬١).
وحكى الطبري أن رجلًا سأل ابن عباس عن ﴿حم (١) عسق (٢)﴾، فأعرض عنه، فقال حذيفة: إنما كرهها ابن عباس؛ لأنها نزلت في رجل من أهل بيته اسمه عبد الله يبني مدينةً على نهر من أنهار المشرق، ثم يخسف الله بها في آخر الزمان (¬٢). والرجل على هذا أبو جعفر المنصور، والمدينة
Juz 4, hlm. 27 ›
بغداد، وقد ورد في الحديث الصحيح أنها يُخسف بها (¬١).
﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ الكاف: نعتٌ لمصدر محذوف، والإشارة بـ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تضمنه القرآن أو (¬٢) السورة.
وقيل: الإشارة لقوله: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾؛ فإن الله أنزل هذه الأحرف بعينها في كتاب أنزله، وفي صحة هذا نظرٌ.
﴿اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ اسم ﴿اللهُ﴾ فاعل بـ ﴿يُوحِي﴾.
وأما على قراءة ﴿يُوحَى﴾ بالفتح فهو فاعلٌ بفعل مضمر، دلَّ عليه ﴿يُوحَى﴾، كأنَّ قائلًا قال: «من الذي أوحي؟» فقيل: «اللهُ».
﴿يَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ أي: يتشققن من خوف الله وتعظيم جلاله.
وقيل: من قول الكفار: «اتخذ الله ولدًا»، فهي كالآية التي في «مريم».
قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثَّقل ونحوه مردودٌ؛ لأن الله تعالى لا يوصف به (¬٣).
﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الضمير للسموات، والمعنى: يتشققن من أعلاهن، وذلك مبالغةٌ في التهويل.
وقيل: الضمير للأرضين، وهذا بعيد.
Juz 4, hlm. 28 ›
وقيل: الضمير للكفار، كأنه قال: من فوق الجماعات الكافرة التي مِنْ أجلِ أقوالها تكاد السموات يتفطَّرن، وهذا أيضًا بعيد.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ عمومٌ يراد به الخصوص؛ لأن الملائكة إنما تستغفر (¬١) للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
وقيل: إنَّ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ نَسخ هذه الآية، وهذا باطل؛ لأن النسخ لا يدخل في الأخبار.
ويَحتمل أن يريد بالاستغفار طلَبَ الحِلم عن أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ومعناه: الإمهال لهم، وأن لا يُعاجَلُوا بالعقوبة، فيكون عامًّا.
فإن قيل: ما وجه اتِّصال قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ﴾ الآية بما قبلها؟
فالجواب: أنَّا إن فسَّرنا تفطُّر السموات بأنه مِنْ عظمة الله؛ فيكون تسبيحُ الملائكة أيضًا تعظيمًا له، فينتظم الكلام، وإن فسَّرنا تفطُّرها بأنه مِنْ كفر بني آدم؛ فيكون تسبيح الملائكة تنزيهًا لله تعالى عن كفر بني آدم، وعن أقوالهم القبيحة.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ هي مكة، والمراد: أهلها، ولذلك عَطَف عليه ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يعني: من الناس.
﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يعني: يوم القيامة، وسمِّي بذلك؛ لأن الخلائق يجتمعون فيه.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ ﴿أَمْ﴾ منقطعة، والأولياء هنا: المعبودون من دون الله.
Juz 4, hlm. 29 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.