تفسير المراغي
· المراغي، أحمد بن مصطفى
وقصارى ذلك- نحن المتولّون حفظكم وولايتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة ومن كان الله وليّه فاز بكل مطلب، ونجا من كل مخافة.
(وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ)
من صنوف اللذات وأنواع النعم.
(وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ)
أي ولكم فيها ما تتمنون وتطلبون.
ونحو الآية قوله: «وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ» .
والجملة الأولى باعتبار شهوات أنفسهم، والثانية باعتبار ما يطلبون سواء أكان مشتهى لهم أم لا، إذ لا يلزم أن يكون كل مطلوب مشتهى كالفضائل العلمية ونحوها (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) أي أعطاكم ربكم ذلك كرامة من لدنه، وهو الغفور لذنوبكم، الرّحيم بكم أن يعاقبكم بعد توبتكم.
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣٣ الى ٣٦]
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
تفسير المفردات
دعا إلى الله: أي دعا إلى توحيده، المسلمين: أي الخاضعين، الحسنة: ما ترضى الله ويتقبلها، والسيئة: ما يكرهها ويعاقب عليها، ادفع: أي ردّ، والحميم: الصديق، وما يلقاها: أي يتقبلها ويحتملها، حظّ: أي نصيب وافر من الخير، ينزعنك:
أي يوسوسنّ لك، وأصل النزغ: النخس، فاستعذ بالله: أي التجئ إليه.
Juz 24, hlm. 129 ›
المعنى الجملي
بعد أن ذكر أن قرناء السوء يدعون إلى المعاصي- أردف ذلك ذكر حال أضدادهم الذين يدعون الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، ثم أعقب هذا بأن الحسنة والسيئة لا يستويان ثوابا عند الله، تم أمر رسوله بدفع سفاهات المشركين وجهالاتهم بطريق الحسنى، لما في ذلك من تآلف القلوب، وارعواء النفوس عن غيّها، وثوبها إلى رشدها، وأرشد إلى أن هذه فعلة لا يتقبلها إلى الصابرون على احتمال المكاره، ومن لهم حظ عظيم من الثواب عند الله، ثم ختم ذلك بتلك النصيحة الذهبية، وهى أنه إذا صرف الشيطان المرء عن شىء مما شرعه الله فليتعوذ من شره ولا يطعه في أمره، والله سميع لما يقول، عليم بكل ما يفعل، وهو المجازى له على ذلك.
الإيضاح
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟) أي لا أحد أحسن قولا ممن جمع بين خصال ثلاث:
(١) الدعاء إلى توحيد الله وطاعته، قال ابن سيرين والسّدى وابن زيد والحسن:
والداعي هو رسول الله ﷺ، وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول:
هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولىّ الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه.
(٢) العمل الصالح بعمل الطاعات، واجتناب المحرمات.
(٣) أن يتخذ الإسلام دينا ويخلص إلى ربه، من قولهم: هذا قول فلان أي مذهبه ومعتقده.
وقد يكون المراد أنه يتلفظ بذلك ابتهاجا بأنه منهم وتفاخرا به مع قصد الثواب.
Juz 24, hlm. 130 ›
وبعد أن ذكر محاسن الأعمال التي بين العبد وربه- ذكر محاسن الأعمال التي بين العباد بعضهم مع بعض ترغيبا لرسول الله ﷺ في الصبر على أذى المشركين ومقابلة إساءتهم بالإحسان فقال:
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ) أي ولا تتساوى الحسنة التي يرضى الله بها ويثيب عليها، والسيئة التي يكرهها ويعاقب عليها.
وقد يكون المعنى- ولا تستوى دعوة الرسول إلى الدين الحق بالطرق المثلى، والصبر على سفاهة الكفار، وترك الانتقام منهم- وما أظهروه من الغلظة والفظاظة فى قولهم: «قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ» وقولهم: «لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ» .
والخلاصة- إن فعلك أيها الرسول حسنة، وإن فعلهم سيئة، فإذا أتيت بهذه الحسنة استحققت التعظيم في الدنيا، والمثوبة في الآخرة، وهم بضد ذلك، فلا ينبغى أن يكون إقدامهم على السيئة مانعا من الاشتغال بالحسنة.
ثم ذكر بعض الحسنات ووضحها بذكر بعض ضروبها فقال:
(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي ادفع سفاهتهم وجهالتهم بالطريق التي هى أحسن الطرق، فقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر والإغضاء عن الهفوات، واحتمال المكاره، فإنك إن صبرت على سوء أخلاقهم مرة بعد أخرى ولم تقابل سفههم بالغضب، ولا أذاهم بمثله، استحيوا من ذميم أخلاقهم، وتركوا قبيح أفعالهم.
ثم بين نتائج الدفع بالحسنى فقال:
(فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) أي إنك إن فعلت ذلك انقلبوا من العداوة إلى المحبة، ومن البغض إلى المودة، قال عمر: ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وقال ابن عباس: أمره الله تعالى في هذه الآية بالصبر
Juz 24, hlm. 131 ›
Pembahasan ayat ini masih 2 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.