Lewati ke konten

QS. Gafir: 73 غافر

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٧٣﴾

Tafsir

Kitab tafsir lain (26)

تفسير ابن عاشور التحرير والتنوير · ابن عاشور

تَصَرُّفِهِ فِي الْآخِرَةِ لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنِ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ،

وَقَوْلِهِ: «إِنَّمَا يُعَذِّبُ بِهَا رَبُّ الْعِزَّةِ»

. وَجُمْلَةُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ أَعْناقِهِمْ أَوْ مِنْ ضَمِيرِ يَعْلَمُونَ. وَالسَّحْبُ: الْجَرُّ، وَهُوَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْإِيلَامِ وَالْإِهَانَةِ. وَالْحَمِيمُ: أَشَدُّ الْحَرِّ.

وَ (ثُمَّ) عَاطِفَةٌ جُمْلَةَ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ عَلَى جُمْلَةِ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ. وَشَأْنُ (ثُمَّ) إِذَا عَطَفَتِ الْجُمَلَ أَنْ تَكُونَ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ وَذَلِكَ أَنَّ احْتِرَاقَهُمْ بِالنَّارِ أَشَدُّ فِي تَعْذِيبِهِمْ مِنْ سَحْبِهِمْ عَلَى النَّارِ، فَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي وَصْفِ التَّعْذِيبِ الَّذِي أُجْمِلَ بِقَوْلِهِ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَالسَّجْرُ بِالنَّارِ حَاصِلٌ عَقِبَ السَّحْبِ سَوَاءٌ كَانَ بِتَرَاخٍ أَمْ بِدُونِهِ.

وَالسَّجْرُ: مَلْءُ التَّنُّورِ بِالْوَقُودِ لِتَقْوِيَةِ النَّارِ فِيهِ، فَإِسْنَادُ فِعْلِ يُسْجَرُونَ إِلَى ضمير هم إِسْنَادٌ مَجَازِيٌّ لِأَنَّ الَّذِي يُسْجَرُ هُوَ مَكَانُهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ، فَأُرِيدَ بِإِسْنَادِ الْمَسْجُورِ إِلَيْهِمُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَعَلُّقِ السَّجْرِ بِهِمْ، أَوْ هُوَ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَشْبِيهِهِمْ بِالتَّنُّورِ فِي اسْتِقْرَارِ النَّارِ بِبَاطِنِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الْحَج: ٢٠] .

[٧٣- ٧٦]

[سُورَة غَافِر (٤٠) : الْآيَات ٧٣ إِلَى ٧٦]

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)

(ثُمَّ) هَذِهِ لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُقَالُ لَهُمْ قَبْلَ دُخُولِ النَّارِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مِمَّا وَقَعَ فِي آخِرِ الْقَوْلِ: ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ، وَدُخُولُ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ قَبْلَ السَّحْبِ فِي حَمِيمِهَا وَالسَّجْرِ فِي نَارِهَا. وَهَذَا الْقِيلُ ارْتِقَاءٌ فِي تَقْرِيعِهِمْ

Juz 24, hlm. 203 ›

وَإِعْلَانُ خَطَلِ آرَائِهِمْ بَيْنَ أَهْلِ الْمَحْشَرِ وَهُوَ أَشَدُّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ أَلَمِ الْجِسْمِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُقَدِّمَةٌ لِتَسْلِيطِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى بَيَانِ سَبَبِ الْعَذَابِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَازْدِهَائِهِمْ فِي الْأَرْضِ بِكُفْرِهِمْ وَمَرَحِهِمْ، وَهُوَ أَيْضًا ارْتِقَاءٌ فِي وَصْفِ أَحْوَالِهِمُ الدَّالَّةِ عَلَى نَكَالِهِمْ إِذِ ارْتَقَى مِنْ صِفَةِ جَزَائِهِمْ عَلَى إِشْرَاكِهِمْ وَهُوَ شَيْءٌ غَيْرُ مُسْتَغْرَبٍ تَرَتُّبُهُ عَلَى الشِّرْكِ إِلَى وَصْفِ تَحْقِيرِهِمْ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا وَذَلِكَ غَرِيبٌ مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَأَشَدُّ دَلَالَةً عَلَى بُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ أَصْنَامِهِمْ وَهُوَ الْمَقْصِدُ الْمُهِمُّ مِنَ الْقَوَارِعِ الَّتِي سُلِّطَتْ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ. فَمَوْقِعُ الْمَعْطُوفِ بِ (ثُمَّ) هُنَا كَمَوْقِعِ الْمَعْطُوفِ بِهَا فِي قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ:

قُلْ إِنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ... قَبْلَهُ ثُمَّ سَادَ مِنْ قَبْلُ جَدُّهُ

مِنْ حَيْثُ كَانَتْ سِيَادَةُ جَدِّهِ أَرْسَخَتْ لَهُ سِيَادَةَ أَبِيهِ وَأَعْقَبَتْ سِيَادَةَ نَفْسِهِ، وَهَذَا اسْتِعْمَالٌ مَوْجُودٌ بِكَثْرَةٍ. وَصِيغَ (قِيلَ) بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ لِأَنَّهُ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ فَكَأَنَّهُ وَقَعَ وَمَضَى وَكَذَلِكَ فِعْلُ قالُوا ضَلُّوا.

وَالْقَائِلُ لَهُمْ: نَاطِقٌ بِإِذن الله. و (أَيْن) لِلِاسْتِفْهَامِ عَنْ مَكَانِ الشَّيْءِ الْمَجْهُولِ الْمَكَانِ، وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى الْغَلَطِ وَالْفَضِيحَةِ فِي الْمَوْقِفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ لِيَكُونُوا شُفَعَاءَ لَهُمْ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ فَلَمَّا حَقَّ عَلَيْهِمُ الْعَذَابُ فَلَمْ يَجِدُوا شُفَعَاءَ ذُكِّرُوا بِمَا كَانُوا يَزْعُمُونَهُ فَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَابْتَدَرُوا

بِالْجَوَابِ قبل انْتِهَاء الْمقَالة طَمَعا فِي أَن يَنْفَعهُمْ الِاعْتِذَار. فجملة قالُوا ضَلُّوا عَنَّا مُعْتَرضَة فِي أثْنَاء الْقَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، وَمَعْنَى ضَلُّوا غَابُوا كَقَوْلِهِ: أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السَّجْدَة: ١٠] أَيْ غُيِّبْنَا فِي التُّرَابِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تُفِيدُهُمْ. فَأَضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ: ضَلُّوا عَنَّا وَقَالُوا: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أَيْ لَمْ نَكُنْ فِي الدُّنْيَا نَدْعُو شَيْئًا يُغْنِي عَنَّا، فَنَفْيُ دُعَاءِ شَيْءٍ هُنَا رَاجِعٌ إِلَى نَفْيِ دُعَاءِ شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ، كَمَا تَقُولُ: حَسِبْتُ أَنَّ فُلَانًا شَيْءٌ فَإِذَا هُوَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إِنْ كُنْتَ خَبَرْتَهُ فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ خَيْرًا.

وَفِي الْحَدِيثِ: «سُئِلَ النَّبِيءُ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ

Juz 24, hlm. 204 ›

: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ»

أَيْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ مُعْتَدٍّ بِهِ فِيمَا يَقْصِدُهُمُ النَّاسُ لِأَجْلِهِ، وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ:

وَقَدْ كُنْتُ فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَاءٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ

وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ [٦٨] ، إِذْ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى إِنْكَارِ أَنْ يَكُونُوا عَبَدُوا شَيْئًا لِمُنَافَاتِهِ لِقَوْلِهِمْ: ضَلُّوا عَنَّا الْمُقْتَضِي الِاعْتِرَافَ الضِّمْنِيَّ بِعِبَادَتِهِمْ.

وَفَسَّرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَوْلَهُمْ: بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أَنَّهُ إِنْكَارٌ لِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِهَا لِاضْطِرَابِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ فَيَكُونُ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الْأَنْعَام: ٢٣] . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ مَقَالَانِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يُحْشَرُوا فِي النَّارِ هُمْ وَأَصْنَامُهُمْ فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ مُتَمَاثِلِينَ حِينَئِذٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.

وَجُمْلَةُ كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ أَجْزَاءِ الْقَوْلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُمْ.

وَمَعْنَى الْإِشَارَةِ تَعْجِيبٌ مِنْ ضَلَالِهِمْ، أَيْ مِثْلُ ضَلَالِهِمْ ذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ. وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِينَ: عُمُومُ الْكَافِرِينَ، فَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْإِظْهَارِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ. وَالتَّشْبِيهُ فِي قَوْلِهِ:

كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ يُفِيدُ تَشْبِيهَ إِضْلَالِ جَمِيعِ الْكَافِرِينَ بِإِضْلَالِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ تَذْيِيلًا، أَيْ مِثْلُ إِضْلَالِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ يُضِلُّ اللَّهُ جَمِيعَ الْكَافِرِينَ، فَيَكُونُ إِضْلَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ مُشَبَّهًا بِهِ إِضْلَالُ الْكَافِرِينَ كُلِّهِمْ، وَالتَّشْبِيهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ إِضْلَالِ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بَلَغَ قُوَّةَ نَوْعِهِ بِحَيْثُ يُنَظَّرُ بِهِ كُلُّ مَا خَفِيَ مِنْ أَصْنَافِ الضَّلَالِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِ مُجَادَلَةِ هَؤُلَاءِ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَشَدَّ الْكُفْرِ.

وَالتَّشْبِيهُ جَارٍ عَلَى أَصْلِهِ وَهُوَ إِلْحَاقُ نَاقِصٍ بِكَامِلٍ فِي وَصْفٍ وَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ

Juz 24, hlm. 205 ›

Pembahasan ayat ini masih 1 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab

Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.

Cari kutipan ayat ini di seluruh perpustakaan →