فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف)
· الطيبي
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ) ١٣ ـ ١٤].
(تِلْكَ): إشارة إلى الأحكام التي ذكرت في باب اليتامى والوصايا والمواريث، وسماها حدوداً؛ لأن الشرائع كالحدود المضروبة الموقتة للمكلفين؛ لا يجوز لهم أن يتجاوزوها ويتخطوها إلى ما ليس لهم بحق (يُدْخِلْهُ) قرئ بالياء والنون، وكذلك (يُدْخِلْهُ ناراً) وقيل: (يُدْخِلهُ)، و (خَالِدينَ) حملا على لفظ «من» ومعناه. وانتصب (خَالِدينَ) و (خَالِداً) على الحال. فان قلتَ: هل يجوزُ أن يكونا صفتين ل (جَنَّاتٍ) و (نَاراً)؟ قلت: لا؛ لأنهما جريا على غير من هما له، فلا بدّ من الضمير وهو قولك: خالدين هم فيها، وخالداً هو فيها.
(وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَاتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً) ١٥ ـ ١٦].
(يَاتِينَ الْفاحِشَةَ): يرهقنها، يقال أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها بمعنى. وفي قراءة ابن مسعود: يأتين بالفاحشة، والفاحشة: الزنا لزيادتها في القبح على
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بالياء والنون). بالنون: نافع وابن عامر، وبالياء: الباقون.
قوله: (فلابد من الضمير) وذلك أن الخلود ليس بفعل لها، وإنما هو فعل أهلها؛ فلو جعل صفة لجيء بالضمير ظاهراً، كما ذكره في المتن، ولما لم يظهر علم أنه حال. قال القاضي: هي حال مقدرة، كقولك: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً.
Juz 4, hlm. 475 ›
كثير من القبائح (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ): قيل: معناه: فخلدوهن محبوساتٍ في بُيوتكم، وكانَ ذلك عقوبتهن في أول الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي … ) الآية [النور: ٢]، ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذكر الحدّ؛ لكونه معلوما بالكتاب والسنة، ويوصى بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن؛ صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا): هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح. وقيل: السبيل هو الحد؛ لأنه لم يكن مشروعًا ذلك الوقت. فإن قلت: ما معنى (يَتَوفَّاهُنَّ المَوتُ) ـ والتوفي والموت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فخلدوهن محبوسات في بيوتكم)، فسر "أمسكوهن" بمعنى الحبس، ثم وضع "خلدوهن" مكان "أحبسوهن" باستعانة قوله: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) حيث جعل الموت غاية للإمساك في البيوت.
قوله: (ويوصى بإمساكهن في البيوت)، ومنه ما روى أبو داود والنسائي، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: إن لي امرأة لا ترد يد لامس، فقال النبي ﷺ: "طلقها"، فقال: إني أحبها، وهي جميلة، قال: "فأمسكها إذاً".
النهاية: قيل: معنى "لا ترد يد لامس": إجابتها لمن أرادها، وخاف النبي ﷺ إن هو أوجب عليه طلاقها أن تتوق نفسه إليها فيقع في الحرام، وقيل: معناه: أنها تعطي من ماله من يطلب منها، وهذا أشبه. قال أحمد: لم يكن ليأمره بإمساكها وهي تفجر.
وقلت: إذا حمل الحديث على معنى الآية لم يحتج إلى مثل هذا التأويل البعيد.
Juz 4, hlm. 476 ›
بمعنى واحد، كأنه قيل: حتى يميتهن الموت! قلت: يجوز أن يراد حتى يتوفاهنَّ ملائكة الموت، كقوله: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) [النحل: ٢٨]، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) [النساء: ٩٧]، (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ) [السجدة: ١١]، أو حتى يأخذهن الموت ويستوفى أرواحهن.
(وَالَّذانِ يَاتِيانِها مِنْكُمْ): يريد الزاني والزانية (فَآذُوهُما): فوبخوهما وذمّوهما وقولوا لهما: أما استحييتما، أوما خفتما اللَّه! (فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا) وغيرا الحال (فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) واقطعوا التوبيخ والمذمة، فإن التوبة تمنع استحقاق الذم والعقاب. ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود العاثرين على سرهما، ويراد بالإيذاء ذمهما وتعنيفهما وتهديدهما بالرفع إلى الإمام والحد. (فَإن تَابَا) قبل الرفع إلى الإمام (فَأَعرِضُوا عَنْهُمَا) ولا تتعرضوا لهما. وقيل: نزلت الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى يتوفاهن ملائكة الموت) فهو من الإسناد المجازي، كقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: ٤] أي: أصحابها.
قوله: (أو حتى يأخذهن الموت ويستوفي أرواحهن) وعلى هذا فهو استعارة تبعية أو مكنية: جعل الموت كالشخص المتوفي، والتوفي كأخذ الرجل حقه، على التخييلية.
قوله: (ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود) عطف على قوله: "فوبخوهما"، والمخاطبون الحكام، أو كل واحد، أي: واللذان يأتيانها منكم أيها المؤمنون فوبخوهما وذموهما، أو: واللذان يأتيانها من جنسكم ومما يتصل بكم أيها الشهود فهددوهما بالرفع إلى الحكام. وفي الكلام حذف، أي: (فَآذُوهُمَا): خطاب لكل واحد، ويحتمل أن يكون خطاباً للشهود.
قوله: (وهذه في اللواطين). قال الإمام: هذا القول اختيار أبي مسلم الأصفهاني، واحتج بأن قوله: (وَاللاَّتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ) [النساء: ١٥] إشارة إلى النسوان، وقد ذكر فيها (مِنْ نِسَائِكُمْ)، وقوله: (وَاللَّذَانِ) إشارة إلى الرجال، ومذكور فيها (مِنكُمْ)، وعلى
Juz 4, hlm. 477 ›
Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.