البحر المحيط في التفسير - ط الفكر
· أبو حيان الأندلسي
وَالِاسْتِبْعَادُ فِي: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ. وَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّعَجُّبُ فِي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا. وَالتَّجَوُّزُ بِفِي الَّتِي لِلْوِعَاءِ عَنْ دُخُولِهِمْ فِي: الْجِهَادِ. وَالِالْتِفَاتُ فِي: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ فِي قِرَاءَةِ النُّونِ. وَالتَّكْرَارُ فِي: سَبِيلِ اللَّهِ، وَفِي: وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ، وَفِي:
يُقَاتِلُونَ، وَفِي: الشَّيْطَانِ، وَفِي: وَإِنْ تُصِبْهُمْ، وَفِي: مَا أَصَابَكَ وَفِي: اسْمِ اللَّهِ. وَالطِّبَاقُ اللَّفْظِيُّ فِي: الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ كَفَرُوا. وَالْمَعْنَوِيُّ فِي: سَبِيلِ اللَّهِ طَاعَةٌ وَفِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ مَعْصِيَةٌ. وَالِاخْتِصَاصُ فِي: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا، وَفِي: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى. وَالتَّجَوُّزُ بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى غَيْرِ فَاعِلِهِ فِي: يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ، وَفِي: إِنْ تُصِبْهُمْ، وَفِي:
مَا أَصَابَكَ. وَالتَّشْبِيهُ فِي: كَخَشْيَةِ. وَإِيقَاعُ أَفْعَلِ التَّفْضِيلِ حَيْثُ لَا مُشَارَكَةَ فِي: خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى. وَالتَّجْنِيسُ المغاير في: يخشون وكخشية. وَالْحَذْفَ فِي مَوَاضِعَ.
[سُورَةُ النساء (٤) : الآيات ٨٠ الى ٨٦]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣) فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)
التَّبْيِيتُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ: كُلُّ أَمْرٍ قُضِيَ بِلَيْلٍ، قِيلَ: قَدْ بُيِّتَ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كُلُّ أَمْرٍ مُكِرَ فِيهِ أَوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
Juz 3, hlm. 722 ›
أَتَوْنِي فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا ... وَكَانُوا أَتَوْنِي بِأَمْرٍ نُكُرْ
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ إِذَا قُدِّرَ: بُيِّتَ. وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ: بيت ألف.
وقيل: هيىء وَزُوِّرَ. وَقِيلَ: قُصِدَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَمَّا تَبَيَّتْنَا أَخَا تَمِيمٍ ... أَعْطَى عَطَاءَ اللَّحِزِ اللَّئِيمِ
أَيْ: قَصَدْنَا. وَقِيلَ: التَّبْيِيتُ التَّبْدِيلُ بِلُغَةِ طيىء، قَالَ شَاعِرُهُمْ:
وَتَبْيِيتُ قَوْلِي عِنْدَ الْمَلِيكِ قَاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا التَّدَبُّرُ: تَأَمُّلُ الْأَمْرِ وَالنَّظَرُ فِي أَدْبَارِهِ وما يؤول إِلَيْهِ فِي عَاقِبَتِهِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ تَأَمُّلٍ. وَالدَّبَرُ: الْمَالُ الْكَثِيرُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَبْقَى لِلْأَعْقَابِ وَلِلْأَدْبَارِ قَالَهُ: الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ.
الْإِذَاعَةُ: إِظْهَارُ الشَّيْءِ وَإِفْشَاؤُهُ يُقَالُ: ذَاعَ، يَذِيعُ، وَأَذَاعَ، وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِالْبَاءِ، فَيَكُونُ إِذْ ذَاكَ أَذَاعَ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ الْمُجَرَّدِ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ:
أَذَاعُوا بِهِ فِي النَّاسِ حَتَّى كَأَنَّهُ ... بِعَلْيَاءِ نَارٍ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
الِاسْتِنْبَاطُ: الِاسْتِخْرَاجُ، وَالنَّبَطُ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنَ الْبِئْرِ أَوَّلَ مَا تُحْفَرُ، وَالْإِنْبَاطُ وَالِاسْتِنْبَاطُ إِخْرَاجُهُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
نَعَمْ صَادِقًا وَالْفَاعِلُ الْقَائِلُ الَّذِي ... إِذَا قَالَ قَوْلًا أَنْبَطَ الْمَاءَ فِي الثَّرَى
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ بَعِيدَ الْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ مَا يَجِدُ عَدُوُّهُ لَهُ: نَبَطًا.
قَالَ كَعْبٌ:
قَرِيبٌ تَرَاهُ لَا يَنَالُ عَدُوُّهُ ... لَهُ نَبَطًا آبَى الْهَوَانَ قُطُوبُ
وَالنَّبَطُ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ الْمِيَاهَ وَالنَّبَاتَ مِنَ الْأَرْضِ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: نَبَطَ مِثْلَ اسْتَنْبَطَ، وَنَبَطَ الْمَاءُ يَنْبُطُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِهَا. التَّحْرِيضُ: الْحَثُّ. التَّنْكِيلُ: الْأَخْذُ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَتَرْدِيدُهُ عَلَى الْمُعَذَّبِ، وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ النِّكْلِ وَهُوَ: الْقَيْدُ. الْكِفْلُ: النَّصِيبُ، وَالنَّصِيبُ فِي الْخَيْرِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا. وَالْكِفْلُ فِي الشَّرِّ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْخَيْرِ. الْمُقِيتُ: الْمُقْتَدِرُ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ:
وَذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وَكَانَ عَلَى إِسَاءَتِهِ مُقِيتًا
أَيْ مُقْتَدِرًا. وَقَالَ السموأل:
Juz 3, hlm. 723 ›
لَيْتَ شِعْرِي وَأَشْعَرْنَ إِذَا مَا ... قَرَّبُوهَا مَنْشُورَةً وَدُعِيتُ
أتى الفصل ثم عَلَيَّ إِذَا حُو ... سِبْتُ إني على الحساب مقيت
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمُقِيتُ الْحَاضِرُ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْمُقِيتُ الْمُقْتَدِرُ، وَالْمُقِيتُ:
الْحَافِظُ وَالشَّاهِدُ. وَقَالَ النَّحَّاسُ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقُوتِ، وَالْقُوتُ مِقْدَارُ مَا يُحْفَظُ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنَ التَّلَفِ. التَّحِيَّةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ: هِيَ الْمُلْكُ وَأَنْشَدَ:
أوّم بِهَا أَبَا قَابُوسَ حَتَّى ... أُنِيخَ عَلَى تَحِيَّتِهِ بِجُنْدِي
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: التَّحِيَّةُ بِمَعْنَى الْمُلْكِ، وَبِمَعْنَى الْبَقَاءِ، ثُمَّ صَارَتْ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ.
انْتَهَى. وَوَزْنُهَا تَفْعِلَةٌ، وَلَيْسَ الْإِدْغَامُ فِي هَذَا الْوَزْنِ وَاجِبًا عَلَى مَذْهَبِ الْمَازِنِيِّ، بَلْ يَجُوزُ الْإِظْهَارُ كَمَا قَالُوا: أَعْيِيَةٌ بِالْإِظْهَارِ، وَأَعِيَّةٌ بِالْإِدْغَامِ فِي جَمْعِ عَيِيٍّ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِدْغَامُ فِي تَحِيَّةٍ، وَالْكَلَامُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ النَّحْوِ.
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
قَالَ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ» فَاعْتَرَضَتِ الْيَهُودُ فَقَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ يَأْمُرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مُدَّعٍ لِلرُّبُوبِيَّةِ فَنَزَلَتْ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ الْمُنَافِقُونَ لَقَدْ قَارَبَ الشِّرْكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالُوا مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ يُتَّخَذَ رَبًّا كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى.
وَتَعَلُّقُ الطَّاعَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا ينهى إلا عَنْ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، فَكَانَتْ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ طَاعَةَ اللَّهِ. وَمَنْ تَوَلَّى بِنِفَاقٍ أَوْ أَمْرٍ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ هَذَا الْتِفَاتٌ، إِذْ لَوْ جَرَى عَلَى الرَّسُولِ لَكَانَ فَمَا أَرْسَلَهُ. وَالْحَافِظُ هُنَا الْمُحَاسِبُ عَلَى الْأَعْمَالِ، أَوِ الْحَافِظُ لِلْأَعْمَالِ، أَوِ الْحَافِظُ مِنَ الْمَعَاصِي، أَوِ الْحَافِظُ عَنِ التَّوَلِّي، أَوِ الْمُسَلَّطُ مِنَ الْحُفَّاظِ أَقْوَالٌ. وَتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الْآيَةُ الْإِعْرَاضَ عمن تولى، والترك رفقا مِنَ اللَّهِ، وَهِيَ قَبْلَ نُزُولِ الْقِتَالِ.
وَيَقُولُونَ طاعَةٌ نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ بِاتِّفَاقٍ. أَيْ: إِذَا أَمَرْتَهُمْ بِشَيْءٍ قَالُوا طَاعَةٌ، أَيْ:
أَمْرُنَا طَاعَةٌ، أَوْ مِنَّا طَاعَةٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَيَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنَى أَطَعْنَاكَ طَاعَةً، وَهَذَا مِنْ قَوْلِ الْمُرْتَسِمِ سَمْعًا وَطَاعَةً، وَسَمْعٌ وَطَاعَةٌ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وَسَمِعْنَا بَعْضَ الْعَرَبِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ يُقَالُ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَيَقُولُ: حَمْدًا لِلَّهِ وَثَنَاءً عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَمْرِي وَشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ. وَلَوْ نَصَبَ حَمْدَ اللَّهِ وَثَنَاءً عَلَيْهِ كَانَ عَلَى الْفِعْلِ، وَالرَّفْعُ يَدُلُّ عَلَى ثَبَاتِ الطَّاعَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا انْتَهَى. وَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ مَا لَمْ يُقْرَأْ بِهِ وَلَا لِتَوْجِيهِهِ وَلَا لِتَنْظِيرِهِ بِغَيْرِهِ، خُصُوصًا فِي كِتَابِهِ الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى الِاخْتِصَارِ لَا عَلَى التَّطْوِيلِ.
Juz 3, hlm. 724 ›
Pembahasan ayat ini masih 10 halaman lagi. Lanjut membaca di kitab
Halaman tafsir dipetakan otomatis ke ayat; sesekali bisa bergeser satu halaman. Teks dari al-Maktabah asy-Syamilah.