﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢)﴾
الشرح: ﴿أُولئِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى المذكورين في الآية السابقة. ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ:﴾
أبعدهم من رحمته. ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ:﴾ يطرده من رحمته، ويبعده من رضوانه. ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً:﴾ مانعا يمنعه من العذاب بشفاعة، أو غيرها. هذا؛ و (تجد) ماضيه: وجد، والمضارع أصله: يوجد، فحذفت الواو لوقوعها بين عدوتيها، وهما: الياء، والكسرة في مضارع الغائب يجد، وتحذف من مضارع المتكلم، والمخاطب قياسا عليه.
هذا؛ وقد أمر الله رسول الله ﷺ أن يجعل اللّعنة على الكاذبين في سورة (آل عمران) ولقد كرّر لعن الكافرين في سورة (البقرة) وهنا لعن اليهود المعادين للرسول ﷺ وللإسلام، كما لعن الظّالمين، والفاسقين والنّاقضين للعهد في آيات متفرّقة، وهو دليل قاطع على أنّ من مات على كفره، فقد استحقّ اللّعن من الله، والملائكة، والنّاس أجمعين، وأمّا الأحياء من الكفّار؛ فقد قال بعض العلماء: لا يجوز لعن كافر معيّن؛ لأنّ حاله لا يعلم عند الوفاة، فلعله يؤمن، ويموت على الإيمان. وقد قيّد الله تعالى في الآية رقم [١٦١] من سورة (البقرة) إطلاق اللعنة على من مات على الكفر. ويجوز لعن الكفار جملة بدون تعيين، كما في قولك: لعن الله الكافرين، يدل عليه قول النبي ﷺ: «لعن الله اليهود حرّمت عليهم الشّحوم، فجمّلوها، وباعوها». وذهب بعضهم إلى جواز لعن إنسان معيّن من الكفار، بدليل قتاله، وهو الصّحيح، كيف لا؟! وقد لعن حسّان بن ثابت-﵁-أبا سفيان، وزوجه هندا في شعره، ولم ينكر عليه النبي ﷺ، خذ قوله: [الكامل]
لعن الإله وزوجها معها... هند الهنود طويلة البظر
وقد لعن الفاروق-﵁-أبا سفيان، وعكرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور السّلمي وغيرهم، الّذين قدموا المدينة المنورة بعد غزوة أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم جماعة من المنافقين، وقالوا للنبيّ ﷺ: ارفض ذكر آلهتنا بسوء، وقل: إنّ لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربّك. فشقّ ذلك على سيد الخلق، وحبيب الحق، فقال له الفاروق: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم. فقال: «إنّي أعطيتهم الأمان». فقال الفاروق:
اخرجوا في لعنة الله، وغضبه، ولم ينكر عليه النبيّ ﷺ ذلك، كيف لا؟! وآية (النّور) رقم [٧] تأمر المسلم أن يلعن نفسه إن كان من الكاذبين.
وأمّا العصاة من المسلمين؛ فلا يجوز لعن واحد منهم على التعيين قطعا، وأمّا على الإطلاق، فيجوز كما في قولك: لعن الله الفاسقين، والفاسقات... إلخ؛ لما روي: أنّ النبي ﷺ قال: «لعن الله السّارق يسرق البيضة، فتقطع يده». ولعن رسول الله ﷺ: «الواشمة،